‏إظهار الرسائل ذات التسميات إقتصاد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إقتصاد. إظهار كافة الرسائل

6 أغسطس 2022

محور موسكو - طهران: تحالف بلا التزامات صارمة

    8/06/2022 08:29:00 ص   No comments

بقلم نيكيتا سماجين *


 تجد روسيا وإيران المزيد والمزيد من نقاط الالتقاء في كلٍ من السياسة الخارجية والمجالات الاقتصادية. وليس من قبيل المصادفة أن هذا العام غير مسبوق من حيث تواتر الزيارات على أعلى المستويات بين مسؤولي البلدين. وكان آخر حدث في هذا الاتجاه هو زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لطهران للمشاركة في قمة قادة روسيا وتركيا وإيران بشأن سوريا.

ويُظهر تطور العلاقات مع الجمهورية الإسلامية، فضلاً عن استمرار عمل صيغة أستانة، استخدام موسكو المتزايد لنموذج السياسة الخارجية البراغماتي الذي يمكن لأي دولة غير غربية أن تكون شريكاً فيه، على الرغم من التناقضات المحتملة وعدم التطابق في بعض المواقف.


على خلفية زيارة بايدن


جاءت قمة أستانة وزيارة بوتين لطهران مباشرة بعد الجولة الشرق أوسطية التي قام بها الرئيس الأميركي جو بايدن. محاولات العديد من المعلقين إظهار زيارة الزعيم الروسي إلى إيران كنوع من الرد على مبادرة الزعيم الأميركي ليس لها أي أساس حقيقي غالباً. ومع ذلك، إن رحلة بايدن تضع الاجتماع الثلاثي في العاصمة الإيرانية في سياق أوسع.


الشرق الأوسط هو منطقة ذات خصوصية، حيث الوجود الروسي والأميركي مؤثر. في الوقت نفسه، فإن ديناميكيات هذا الوجود متعارضة تماماً مع بعضها البعض، فإذا كانت واشنطن تنسحب تدريجياً من المنطقة، وأهمية الشرق الأوسط تتراجع بالنسبة إلى البيت الأبيض، فإن موسكو، على العكس من ذلك، تنجذب بشكل متزايد إلى الأحداث الجارية فيه.


ويوجد اختلاف أيضاً في المنهجية، فقد اعتاد الجانب الأميركي إيجاد حلفاء في المنطقة ينفذون السياسة الأميركية، وتحديد "مثيري الشغب" الرئيسيين، الذين يسعى لاحتوائهم وعزلهم. بالنسبة إلى روسيا، ليس لها أصدقاء ولا أعداء. على مدى العقد الماضي، كانت موسكو تحاول أن تعمل كوسيط يتمتع بعلاقات جيدة مع جميع القوى الرئيسية في الشرق الأوسط.


على خلفية الأحداث الجارية في أوكرانيا، تسعى الولايات المتحدة لتحويل روسيا إلى دولة منبوذة دولياً. بالنسبة إلى موسكو، يُعتبر الشرق الأوسط أحد السبل للالتفاف الجزئي على العقوبات. لذا، كانت المهمة المنطقية لواشنطن هي عزل الجانب الروسي في هذه المنطقة. وعلى الرغم من وجود قائمة قوية من الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة ورد فعل غير متحمس من دول الشرق الأوسط على العملية الخاصة في أوكرانيا، فإن هذا الأمر ليس سهلاً.


هناك قلة من الناس في الشرق الأوسط يريدون الاختيار بين موسكو وواشنطن، وتبقى روسيا لاعباً مهماً في الشرق الأوسط لا يستهان به، ولديها أيضاً مجموعة متكاملة من المصالح مع جميع دول المنطقة تقريباً، بما في ذلك الشركاء الأميركيون.


على سبيل المثال، لدى تركيا -العضو في الناتو- خلافات جدية مع الاتحاد الروسي بشأن سوريا وليبيا وجنوب القوقاز، كما أنها لم تعارض تصرفات موسكو في أوكرانيا فحسب، بل ساعدت الجانب الأوكراني أيضاً، من خلال توفير أسلحة عالية التقنية. في الوقت نفسه، فإن أنقرة، مثل موسكو، منزعجة من النظام الذي أنشأته الولايات المتحدة في المناطق المجاورة لتركيا، بما في ذلك الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط.


لا يجب أن ننسى حجم العلاقات التجارية بين تركيا وروسيا: عام 2021، بلغ حجم التبادل التجاري نحو 33 مليار دولار. وبحلول نهاية عام 2022، يمكن أن يصل إلى أرقام أعلى. من الواضح، في ظل هذا الوضع، أن أنقرة ستواصل الحوار مع موسكو حول سوريا وغيرها من القضايا.


ويلاحظ وضع مماثل إلى حد ما فيما يتعلق بالدول العربية في الخليج، إذ لم تنضم أي من هذه الدول إلى العقوبات الغربية ضد روسيا، وأصبحت الإمارات مركزاً لرؤوس الأموال الروسية. كما أوضح محمد بن سلمان أن الاتفاقيات مع أوبك +، حيث روسيا أحد اللاعبين الرئيسيين، فوق مصالح الولايات المتحدة، على الرغم من زيارة بايدن للسعودية.


كذلك، يرفض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عزل موسكو. وفي السنوات الأخيرة، كانت القاهرة واحدة من أكبر مستوردي الأسلحة الروسية. إضافة إلى ذلك، فإن مصر، إلى جانب الإمارات، تتعاون مع روسيا بشأن ليبيا.


أخيراً، يجب ألا ننسى شريكاً أميركياً آخر هو "إسرائيل". على الرغم من بعض الخلافات مع موسكو، لا تزال اسرائيل مستعدة للتعاون مع الجانب الروسي لمواصلة سياستها لاحتواء التهديد الإيراني في سوريا. بمعنى آخر، جميع اللاعبين المذكورين أعلاه لديهم أسباب كافية للابتعاد عن النهج الثنائي الذي تفرضه عليهم واشنطن: إما أن تكون مع الولايات المتحدة وإما مع روسيا.


التوجه نحو إيران


على خلفية انهيار العلاقات مع الغرب فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية، تعمل السياسة الخارجية الروسية تجاه إيران في اتجاه تعلق عليه آمالاً معينة. نتيجة لرحلة بوتين إلى إيران، لم يتم الإبلاغ عن قرارات انفراج سريع. ومع ذلك، وفي يوم القمة، ظهرت عدة أنباء إيجابية عن الزيارة الإيرانية، فقد أطلقت بورصة طهران للعملات التداول على ثنائية الريال/الروبل، إضافةً إلى شيء مهم آخر، وهو توقيع مذكرة تفاهم بين شركة النفط الوطنية الإيرانية وغازبروم، تتضمن استثمارات في القطاع الإيراني يبلغ مجموعها نحو 40 مليار دولار.


وبعد وقت قصير من زيارة الرئيس الروسي، صدر قرار بزيادة عدد الرحلات الجوية بين روسيا والجمهورية الإسلامية إلى 35 رحلة أسبوعياً، والتحضير لاتفاق بشأن توريد قطع غيار الطائرات الإيرانية وصيانة الطائرات، وخطط الجانب الروسي لتخصيص 1.5 مليار دولار لتطوير مشاريع السكك الحديدية في إيران.


يجب القول إنه لن يتم بالضرورة تنفيذ كل هذه المبادرات بنجاح. بادئ ذي بدء، في حالة معظم ما سبق، لم يتم تحديد المنظور الزمني، وربما لن يتمكن الجميع من الوصول إلى التنفيذ الفعلي. في حالات أخرى، على سبيل المثال توريد قطع غيار الطائرات، لا يمكننا التحدث إلا عن مجموعة محدودة من المنتجات. لقد مرت صناعة الطيران الإيرانية بأوقات عصيبة لسنوات عديدة، لأنها تخضع للعقوبات. بالطبع، تعلم الإيرانيون أن يفعلوا الأشياء بأنفسهم، لكنهم في الغالب يستوردون أجزاء من الطائرات عبر دول ثالثة أو يستخدمون طائرات قديمة مقيدة بالسلاسل على الأرض للتحليل.


ومع ذلك، قد تكون بعض المشاريع ناجحة للغاية. ويوجد هنا قطاع واضح لمجالات التعاون بين البلدين، وهو ما يعكس الاهتمام المتزايد من الجانب الروسي بالجمهورية الإسلامية. إضافة إلى ذلك، تأخذ بعض مجالات التعاون السابقة زخماً جديداً، وبالتالي، فإن تصدير المنتجات الزراعية الروسية على خلفية مشاكل الغذاء العالمية يكاد يكون جانباً رئيسياً من جوانب الأمن الغذائي لإيران. في الوقت نفسه، يهدد ممر العبور بين الشمال والجنوب، والذي كان في وضع الاختبار في السنوات الأخيرة، بأن يصبح طريق التصدير الرئيسي تقريباً للمنتجات من روسيا.


يمكن أيضاً رؤية نوع من التقارب على مستوى السياسة الخارجية. من بين جميع دول الشرق الأوسط، كانت مواقف طهران من الأحداث في أوكرانيا أكثر ردود الفعل المقبولة لموسكو. أكد السيد علي الخامنئي خلال اللقاء مع بوتين في طهران أن حلف شمال الأطلسي سيبدأ حرباً مع روسيا بذريعة شبه جزيرة القرم، إذا لم يتم إيقافها في أوكرانيا.


يمكن رؤية بعض التغييرات أيضاً في سوريا، حيث أصبح الرد الروسي أكثر حدة تجاه الممارسات الإسرائيلية. أخيراً، كانت الفكرة المهيمنة للقمة الثلاثية في العاصمة الإيرانية محاولة من جانب طهران وموسكو لإقناع أنقرة بالتخلي عن العمليات العسكرية على الأراضي السورية.


مهما كان الأمر، فإن التقارب الروسي الإيراني لا يعني الانتقال إلى اتحاد كامل. ويمكن العثور على عدم الثقة في طهران وسوء فهم سياساتها أيضاً بين عدد من ممثلي النخبة الروسية. أخيراً، لا يزال الطرفان متأخرين جداً في مجموعة متنوعة من القضايا، مثل السياسة في الشرق الأوسط أو حل النزاعات الإقليمية حول بحر قزوين.


يجب ألا ننسى أيضاً أن روسيا وإيران تعملان كمنافسين في سوق الطاقة. الاتفاق المذكور بالفعل مع شركة غازبروم يرجع إلى حد كبير إلى محاولة الجانب الروسي امتلاك تأثير في صناعة النفط والغاز الإيرانية. لذلك، ما زلنا بحاجة إلى معرفة إلى أين سيسمح الإيرانيون بدخول الشركات الروسية في النهاية.


ومع ذلك، وبصرف النظر عن مدى التناقض الذي قد يبدو في بعض المجالات، فإن رزمة التناقضات الحالية لا تتعارض مع التقارب بين إيران وروسيا. إن نموذج الواقعية الذي يطبقه الجانب الروسي يجعل من الممكن التركيز على المصالح المتبادلة حتى في مواجهة مشاكل أكبر بكثير، كما يحدث مع تركيا. في الوقت نفسه، تهتم كل من طهران وموسكو ببناء نظام اقتصادي بديل للنظام الاقتصادي الغربي. من المستحيل أن تفعل هذا بمفردك، والدولتان اللتان تقفان في مواجهة الغرب، هما الأنسب لتحقيق ذلك.


كان الانعكاس المهم لما يحدث هو العمل على إبرام اتفاقية استراتيجية طويلة الأمد بين إيران وروسيا، مشابهة لتلك التي تملكها طهران بالفعل مع الصين وفنزويلا. بناءً على تصريحات المسؤولين الروس، سيتم الانتهاء من المشروع قريباً. من المهم أن تتمتع الوثيقة بصفة مذكرة، فهي تؤكد رسمياً نيات الأطراف، ولكنها لا تفرض أي التزامات مباشرة.

 نيكيتا سماجين - باحث ، دراسات إيرانية ؛ المجلس الروسي للشؤون الدولية
المصدر: المجلس الروسي للشؤون الدولية

7 أبريل 2021

عن تجارب صندوق النقد الدولي ووصفاته الثابتة

    4/07/2021 06:51:00 ص   No comments

 لزياد ناصر الدين 

لطالما ارتبطت بهذا الصندوق عناوين عريضة ورنانة، من توفير المال الإنقاذي وتعزيز الاستقرار المالي، إلى دعم الثقافة والإنسان، لكن الحقيقة في مكان آخر.

كثُر الكلام عن تجارب صندوق النقد الدولي - الأداة الماليّة لتدمير الشعوب والبلدان - الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، إذ تمتلك فيه الحصّة الأكبر (16.74%)، كما تمتلك حقّ الفيتو واتخاذ القرار والتوجيه، إلى جانب 4 دول من أصدقائها، هي اليابان (6.23%)، وألمانيا (5.81%)، وفرنسا (4.29%)، وبريطانيا (4.29%).

لطالما ارتبطت بهذا الصندوق عناوين عريضة ورنانة، من توفير المال الإنقاذي وتعزيز الاستقرار المالي، إلى دعم الثقافة والإنسان، لكن الحقيقة في مكان آخر، فما من دولة حصلت على قرض من الصندوق، واستطاعت إعادة اقتصادها إلى الحالة التي كان عليها. في الغالب، تعجز الدول عن تحقيق نهضة اقتصادية أو تنموية، ذلك أن القرض يدمّر الاقتصاد الوطني لأيّ دولة، ويتسبّب بشكل مباشر بتآكل الطبقة الوسطى، ويلقي بها في أحضان الفقر. وفي الوقت نفسه، تنقسم طبقة الأغنياء، بعضها يهبط، والبعض الآخر تتضخَّم ثرواته بشكل كبير.

وفي الوقت الذي تنظر الدول النامية إلى صندوق النقد باعتباره منظومة ماليّة ضخمة تهرع إليها عندما تتعثّر اقتصاديّاً، بغرض الحصول على قرض إنقاذي لتطوير البنى التحتية الأساسيّة، كمحطات الكهرباء والطرق والموانئ والمطارات والمدن الصناعية، كسبيل للنهضة مجدداً، يفرض الصندوق شروطاً قاسية تتجاهل حقوق الإنسان، بل إنها تقضي عليها الكامل، كما تهدر طاقات الدولة وإمكانياتها، وتؤدي بها إلى المزيد من الأزمات المتلاحقة.

في مقابل ذلك، يُعتبر الصندوق والدول التي تمتلك حصصاً فيه الرابح الأكبر من هذه الصفقات المشبوهة، سواء كان ذلك على الصعيد السياسي أو الاقتصادي. وعندما ننظر جليّاً إلى شروط القرض المفترض، نلاحظ بدايةً أنّها تبدأ بقيام المكاتب الهندسيّة والاستشاريّة وشركات المقاولات الأميركيّة أو الشركات التي تدور في فلك واشنطن في الدول المقرضة، بتنفيذ هذه المشاريع، أي أنّ هذه الأموال تعود بشكل مباشر إلى أعضاء هذه الدول، ويبقى على الدول المستدينة سداد أصل القرض والفوائد، كما أنّ الشّروط التي تفرضها الجهات الدائنة تُجبر تلك الدول على التعثّر بعد بضع سنوات، بهدف تحقيق أبعاد استراتيجية خطيرة، تتلخّص بالسيطرة على مواردها والقبول بالتواجد العسكري فيها.

لتحقيق هذه الأهداف، ثمة وصفات موحّدة يعتمدها الصندوق في جميع الدول، وهي قائمة على التسويق، لكبح الانهيار، من خلال مليارات الدولارات التي تحقّق نموّاً اقتصاديّاً عن طريق المشروعات المقترحة، مع اعتماد الخداع في الأرقام، وخصوصاً في ما يتعلّق بنمو الناتج الإجمالي القومي، لكنّ النتيجة دائماً ما تكون استفادة "النخبة" القليلة على حساب الأغلبية، بحيث يزداد الثري ثراء، ويزداد الفقير فقراً، ويتمّ التسويق لذلك بوصفه "تقدّماً اقتصادياً".

ما الوصفات الثابتة لصندوق النقد؟

1- تحرير سعر الصرف ورفع كلّ أشكال الدعم، وخصوصاً عن السلع والخدمات الأساسية، كالطحين والكهرباء والماء والنقل.


2-التركيز على رفع الدعم عن المحروقات، مع ما ينتج من ذلك من زيادة في أسعار البنزين والمازوت قد تتجاوز 5 أضعاف، من دون الأخذ بتداعيات الأمر وانعكاساته على القطاعات الاقتصادية والإنتاجية والاستهلاكية.

3- ترسيخ نموذج اقتصاد الريع والاستهلاك على حساب القطاعات الإنتاجية، وخصوصاً الزراعة والصناعة والأدوية والمواد الغذائية. تُعتبر السياسات الماليّة أهم ركائز هذا النظام، بصرف النظر عن البعد الاقتصادي المرتبط بالتنمية والبرامج.


4- تقليص برامج التقديمات الاجتماعية، وصولاً إلى إنهاء كل الحمايات الاجتماعية، وخصوصاً التقديمات الصحية والتربوية المدرسية والشؤون الاجتماعية.


5- تقليص حجم القطاع العام، والعمل على إعادة هيكلة الرواتب، أي خفضها وتقييدها، وبالتالي منع أي زيادة عليها، مهما أصبحت نسبة التضخم، إضافةً إلى إعادة النظر في المعاشات التقاعديّة تمهيداً لإلغائها.


6-زيادة معدلات الضريبة على القيمة المضافة بنسبة تتراوح بين 5% و10% على الأقل.


7- رفع مستوى الضّرائب ليصل إلى 20% من الناتج المحلي، وفرض زيادة على جميع أنواع الضرائب.


8-  تصفية المؤسَّسات المتعثرة حتى ضمن القطاع الخاص.


9-  اعتماد النمو على الدين والاستدانة.


في المحصّلة، تكمن خطورة الموضوع في أنّ عمل صندوق النقد لا ينتهي بعد انتهاء القرض، بل يبدأ حينها تحت عنوان "المراقبة ما بعد البرامج"، بحيث يصبح الاقتراض هو الوسيلة المطلوبة للعيش واستمراريّة الماليّة العامة للدولة، مع بدء المديرين التنفيذيين الذين يعيّنهم الصندوق بالتحكّم بالقرارات النقديّة والماليّة والاقتصاديّة، لرهن البلاد بشكل كامل والسيطرة على القرار السياسيّ مقابل القروض الماليّة، وليس، كما يروّج البعض، بأنّ الأموال ستساعد لبنان على النهوض مجدداً.


نماذج حيّة

1- الإكوادور


في العام 2019، وقّعت الإكوادور اتفاقيّة مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 4.2 مليارات دولار لمدة 3 سنوات.


كانت شروط الصندوق تتمثل بطرد الموظّفين من القطاع العام، ورفع الضرائب، وخفض الاستثمار العام، وتقليص الموازنة 6% نسبةً إلى الناتج المحلي، وكانت النتيجة ارتفاع خط الفقر من 50% إلى 70%، ونسبة البطالة من 15% إلى 70%، إضافةً إلى ارتفاع الدين العام إلى 16 مليار دولار، وتخصيص 75% من ميزانيتها لسداد الديون.


أمّا الهدف الذي تحقق، فهو إغراق الإكوادور في الديون لاستغلال ثرواتها، وخصوصاً بعد التأكّد من توفر مخزون كبير من النفط الخام لديها، ووجود احتياطي تؤكّد الدراسات أنّه منافس من حيث الكمّية لنفط الشرق الأوسط، ويشكّل أحد بدائله، بحيث أصبحت حصّة الشركات الأميركية اليوم تعادل 75 دولاراً لكلّ 100 دولار ناتجة من الخام في البلاد.


2- الأرجنتين


حقّق صندوق النقد في الأرجنتين فشلاً ذريعاً، ولم يستطع فرض الحد الأدنى من التوازن الاقتصادي والاجتماعي المطلوب، بحيث ارتفع الدين العام من 241 مليار دولار إلى 321 مليار دولار، وانخفضت قيمة العملة بشكل حاد، وارتفعت معدلات الفقر من 35% إلى 47%، كما ارتفعت الأسعار بمعدّل 7% شهريّاً، ما أدى إلى انخفاض القدرة الشرائية.


3-  اليونان


بلغ الدين العام في اليونان ما يقارب 180% من الناتج المحلي بعد توقيع الاتفاق مع الصندوق، ورافق ذلك ارتفاع نسبة البطالة، وانخفاض عدد السياح، وإثقال المصارف بقروض غير مسدّدة، فضلاً عن الفضائح التي نُشرت في "ويكيليكس" عن مخطط التآمر على اليونان من قبل المشرفين على الملف المالي، وتسليم البلاد ورهنها وإخضاعها لشروط البؤس في صندوق النقد.


4- تونس


غذّى صندوق النقد الفساد في تونس، وكان العنوان العريض للتجربة هو "غياب التخطيط"، فخفضت التقديمات الاجتماعية عشوائيّاً، وجرت خصخصة قطاعات الدولة وأملاكها، وفرضت الدولة ضرائب إضافية، كما انخفضت قيمة العملة. كل هذا من أجل قرض بقيمة 1.740 مليار دولار. وعندما طلبت تونس تجديد القرض مع زيادة قيمته إلى 2.8 مليار دولار، ازدادت الشروط السياسيّة تحت عناوين وأهداف اقتصادية.


5- الأردن


رغم أنّ تجربة الأردن مع صندوق النقد ما تزال حديثة العهد، إذ حصلت البلاد على قرض بقيمة 1.3 مليار دولار العام الماضي، فإنَّ تداعياتها ظهرت بسرعة، إذ تراجعت القدرة الشرائية، وانخفض الحد الأدنى للأجور وسط تجاهل حقوق العمال، وازدادت الضرائب. والنتيجة كانت أنّ الاقتصاد ما يزال يحتضر.


6-  مصر


يَعتبر صندوق النقد الدولي أنّه حقّق تجربة ناجحة في مصر، لكن مقابل تحقيق نمو إيجابي بنسبة 4%، زادت نسبة الفقر من 30% إلى 46%، وارتفعت أسعار الأدوية، كما زادت الضرائب، وانخفض الإنفاق العام على الصحة والتعليم. ويهدف إغراق مصر في الديون إلى السيطرة على مصادر الغاز المهمة جداً، وخصوصاً بعد اكتشاف حقل ظهر في شرق سواحل المتوسط.


يقول جون بيركنز في كتاب "اعترافات قاتل اقتصادي" (Hit Man Confession of an Economic)، إنّ الجانب غير المرئي في خطّة القروض والمشروعات هو تكوين مجموعة من العائلات الثريّة ذات النفوذ الاقتصادي والسياسي داخل الدولة المدينة، تُشكّل امتداداً للنخبة الأميركية، من خلال اعتناق أفكارها ومبادئها وأهدافها، بحيث ترتبط سعادة الأثرياء الجدد ورفاهيتهم بالتبعية طويلة المدى للولايات المتحدة.


في المحصّلة، لا تصبح السياسات الاقتصادية جيّدة إلا من خلال منظور الشركات الكبرى، وتكون الدول التي تقتنع بهذه المفاهيم مُطالَبةً بخصخصة الصحة والتعليم وخدمات المياه والكهرباء. بعدها، تصبح مضطرة إلى إلغاء الدعم وجميع القيود التجارية التي تحمي الأعمال الوطنية، بينما عليها القبول بأن تستمرّ أميركا وشركاؤها من الدول الصناعية الكبرى بتقديم الدعم لقطاعات أعمالها وفرض القيود لحماية صناعاتها.


هذه النماذج موضوعة اليوم أمام لبنان، فإمّا تُثبّت السلطة السياسيّة خيارات الدولة العميقة، وترهن البلد، وتتخلى عن مصادر الغاز والطاقة الكبيرة التي تمتلكها لصالح الغرب وشركاته، وتتعمّق الأزمة في البلاد، وإما تأخذ قراراً بالنهوض الاقتصادي، بدءاً من التفكير الحقيقي في تنويع الخيارات الاقتصادية، انطلاقاً من حدوده الشرقية، وصولاً إلى عمق آسيا والصين وروسيا.

________________

زياد ناصر الدين كاتب وباحث اقتصادي

°°°°°°°°°°°°°°°°°

المصدر: الميادين نت



ابحث عن مقالات مثل التي قرأت

Advertise Here

المقالات الأكثر قراءة

_____________________________________________________
حقوق التأليف والنشر © مراجعات. جميع الحقوق محفوظة.