24 يناير 2013

ثورة «الجياع» ضاعت في صراع «الحكم والرأي» 

    1/24/2013 06:01:00 ص   No comments

بيسان كساب

قد يبدو من الصعب التصور، في ظلّ الصورة الذهنية التي خلقها الإعلام الرسمي، أن «ثورة يناير» صنعتها الطبقة الوسطى المتعلمة، كما يظهر من خلال الوجوه اللامعة الشابة، التي أخذت البرامج التلفزيونية تستضيفها منذ اندلعت الثورة، بوصفها قيادات هذه الثورة. لكن جمعة الغضب في 28 كانون الثاني، شكلت نموذجاً صارخاً لبطولة المهمشين، الذين كانوا وحدهم قادرين على هزيمة جهاز الشرطة الجهنمي، بحيل تعلموها من المواجهات المتكررة مع جهاز الدولة في مدن الصفيح، من قبيل حفر الطرق وانتزاع أنابيب المياه واستخدامها كمتاريس تحول بين الشرطة وإمداداتها، إضافة الى إفساد مفعول القنابل المسيلة للدموع.

ومع ذلك، أطلق الإعلام مقولات أخذ يكرّرها مراراً بإصرار لافت، في مواجهة المظالم الاجتماعية التي نكأت الثورة جراحها من قبيل «هذه ثورة كرامة لا ثورة جياع». ومهدت تلك المقولات الطريق لاستخدام قمع الدولة في مواجهة المطالب الاجتماعية، التي أخذ صوتها يرتفع شيئاً فشيئاً، بينما الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تزداد تردّياً، وصولاً الى تصوير الإعلام الطبقة العاملة المصرية مثلاً، والتي شاركت في الثورة من خلال أكبر موجة من الاحتجاجات والإضرابات في تاريخها، بأنّها تعمل عن عمد لصالح الثورة المضادة بإضراباتها المتصاعدة للإضرار بالاقتصاد، وصولاً الى إصدار مرسوم بقانون يحظر الإضرابات، وهو أول قانون أصدره المجلس بعد توليه الحكم.
ومع تقدم الوقت، أخذ صوت العدالة الاجتماعية يخبو لصالح معارك القوى السياسية، صاحبة الصوت الأعلى في الإعلام، حول نصيبها من كعكة الثورة، بعدما تحولت الأنظار عن أبطالها الحقيقيين؛ «ففي ثورة مصر 2011، اعتبرت المظالم السياسية والاقتصادية ذات ارتباط وثيق بمحاولات علاج مشاكل الفساد والظلم المعقدة»، كما قالت منظمة «شاتام هاوس»، في مذكرة إحاطة صادرة في نيسان من العام الماضي تحت عنوان «الخبز والكرامة والعدالة الاجتماعية: الاقتصاد السياسي لانتقال مصر».
وأضافت «شاتام هاوس» «يطرح السؤال أحياناً عما إذا كانت الأسباب الجذرية للاحتجاجات سياسية، أهي تعبير عن رغبة في الديموقراطية والحقوق أم اقتصادية مضادة لارتفاع أسعار المواد الغذائية وركود الأجور؟ وهذا التقسيم خاطئ، إذ إن احتجاجات مصر في عام 2011 بيّنت مجموعة متنوعة من المظالم السياسية والاقتصادية المترابطة بعمق. وجمعت شعارات المحتجين الأساسية (الخبز والكرامة والعدالة، والخبز والحرية والكرامة الوطنية) خليطاً من الهموم السياسية والاقتصادية والأخلاقية».


وبوادر الثورة كانت قد بدأت تتضح للخبراء المقربين من الحزب الوطني المنحل قبل اندلاع الثورة، وهذا ما يظهر في «تقرير الاستثمار الأول: نحو توزيع عادل لثمار النمو»، الذي أعدّه مجلس أمناء الهيئة العامة للاستثمار في 2009، محذّراً من مفارقة ارتفاع معدلات الفقر؛ فبالرغم من ارتفاع معدلات النمو على نحو مطّرد في العقد الأخير من حكم حسني مبارك، إلا أن نسبة السكان دون خط الفقر القومي ارتفعت من 16.7 في المئة في 2000 إلى 22 في المئة في 2008، وفق أحدث البيانات المتوفرة من البنك الدولي.
لكن المجلس الأعلى للقوات المسلّحة، الذي تولى حكم البلاد بعد سقوط مبارك، تجاهل على ما يبدو تلك الحقائق، ورفض موازنة وزير المال سمير رضوان، وهو عضو بارز في الحزب الوطني، بعد الثورة، واعتبرها توسعية. وسرعان ما تحولت أول موازنة بعد الثورة الى موازنة تقشفية تراجعت فيها مخصصات صندوق تدريب العمالة الى مليار جنيه بدلاً من ملياري جنيه، كما تراجعت فيها الاستثمارات الحكومية من 55.9 ملياراً الى 47.2 مليار جنيه، وكذلك إجمالي مخصصات الدعم من 138.7 ملياراً الى 133 مليار جنيه، ومساهمات الخزانة لدعم صناديق المعاشات من 12.8 ملياراً إلى 10.7 مليارات جنيه، بخلاف التراجع عن رفع حد الإعفاء الضريبي من تسعة آلاف جنيه سنوياً الى 12 ألف جنيه، وعن زيادة دعم الإسكان للفقراء بنحو 500 مليون جنيه.
وسعى المجلس، من جهة ثانية، لدرء أي أعباء على الأغنياء من قبيل الضريبة التي اقترحها رضوان على الأرباح الرأسمالية من توزيعات شركات الأموال والأشخاص والدمج والاستحواذ وإعادة تقييم الأصول. وبدت طبقة مستثمري البورصة، وقد أحرزت انتصاراً ساحقاً، وخصوصاً حين أعلن محمد عبد السلام، رئيس البورصة آنذاك، إلغاء تلك الضريبة قبل يوم من إعلان التراجع عنها من قبل وزارة المال.
وبالرغم من أن الأيام الأخيرة في حكم المجلس العسكري شهدت صراعاً مكشوفاً بين الطبقة العسكرية والقوى الإسلامية، إلا أن الصراع لم يعكس أي تباين في السياسات الاقتصادية. وتقول «شاتام هاوس» «يبدو أن الأحزاب الإسلامية، التي فازت بانتخابات مجلس الشعب، تفضل الاستمرار في سياسة مؤيدة للسوق بصورة عامة».
وكانت جماعة الإخوان المسلمين على رأس القوى الرافضة لرفع الحد الأقصى للضرائب الى 30 في المئة خلال النقاشات التي دارت في ما سمّي الحوار الوطني حول السياسات الاقتصادية في وزارة المال، بدلاً من 25 في المئة وفقاً لما انتهى إليه رأي الحكومة بعد الثورة.
أما الدستور الجديد، فقد بدا نموذجاً صارخاً لانحياز الجماعة وحلفائها من القوى الإسلامية الى تحرير الأسواق، إذ نص على ربط الأجر بالإنتاج للمرة الأولى. كما لم يتضمن أي حد أقصى للملكية الزراعية، ولم يمنع ملكية غير المصريين للأراضي الزراعية، متراجعاً عما تضمنه دستور 1971 في هذا الشأن.
وهو موقف يتسق مع تراث جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت أبرز من هاجم إجراءات الإصلاح الزراعي، وأيدت في 1992 قانون تحرير العلاقة بين المالك والمستأجر في الأراضي الزراعية، الذي ألغى مكتسبات الفلاحين المستأجرين وأفضى تطبيقه في 1997 الى انتفاضة فلاحية عارمة.
لكن الضربة القاصمة لشعبية الجماعة ربما تكون بالإقدام على تطبيق حزمة من التعديلات على قوانين الضرائب، جمدها الرئيس محمد مرسي بعد ساعات قليلة من الإعلان عنها. وهي تعديلات تتضمن رفع سعر الضرائب على مبيعات عدد من السلع الأساسية مثل زيوت الطعام والبطاطس، بخلاف سلع أخرى مؤثرة بشدة في أسعار عدد أكبر من السلع والخدمات من قبيل الاسمنت والاتصالات، كما تضمنت رفع الضريبة على الإعلانات التجارية على نحو قد يرفع بشدّة كلفة الإنتاج، ومن ثم السعر النهائي لكل السلع والخدمات تقريباً.
ولأن الجماعة تدرك أنها قد تكون قاب قوسين أو أدنى من انتفاضة اجتماعية، في حال إقدامها على تطبيق التعديلات الضريبية المجمدة بقرار من مرسي، فقد أعلن حزب «الحرية والعدالة»، التابع لها رفضه للضرائب الجديدة على المبيعات، بينما أعلنت الحكومة تأجيلها، ربما الى ما بعد الانتخابات البرلمانية، وهو ما يعني أن الجماعة أدركت درس انتفاضة الخبز التي واجهها الرئيس أنور السادات في كانون الثاني 1977، وهي الانتفاضة التي وصفتها مجلة الدعوة المتحدثة باسم الجماعة وقتها بأنها مؤامرة من الشيوعيين.

وفي حين أن الثورة ربما تكون على الأقل قد أسفرت عن رفع الحد الأدنى للأجور الى 700 جنيه شهرياً عبر إجراءات أقرها سمير رضوان، إلا أن انهيار الجنيه المصري أمام الدولار الأميركي خلال كانون الثاني الحالي، ربما من جراء تراجع البنك المركزي عن حمايته، قد أفقد تلك الزيادة أي قيمة.

المحطات الأبرز في مسار الثورة


11 شباط 2011: أطاحت الثورة في يومها الثامن عشر الرئيس حسني مبارك، الذي سلّم البلاد للمجلس العسكري.
30 آذار 2011: أصدر المجلس العسكري إعلاناً دستورياً مؤقتاً لإجراء انتخابات، وسط غضب من المعارضة الليبرالية التي كانت تطالب بإسقاطه.
تشرين الثاني 2011 – كانون الثاني 2012: في هذه الفترة، تم إجراء الانتخابات البرلمانية في مصر، والتي حصد فيها الإسلاميون غالبية مطلقة وصلت إلى 70% من مقاعد البرلمان.
26 آذار 2012: تم تعيين أعضاء الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور الجديد والتي هيمن عليها الإسلاميون، وتعرضت لانتقادات لاذعة لأنها لا تمثل طوائف الشعب المصري.
10 نيسان 2012: علقت المحكمة الدستورية العليا عمل اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور المصري الجديد.
7-12 حزيران 2012: تم تشكيل جمعية تأسيسية جديدة بعد مفاوضات طويلة بين الأطراف والأحزاب السياسية، ولكنها لم تسلم من الطعون ومواجهتها للمزيد من التحديات القانونية. ثم تم حل البرلمان بقرار قضائي في 14 من الشهر نفسه.
24 حزيران 2012: انتخاب محمد مرسي أول رئيس مدني وإسلامي للبلاد.
12 آب 2012: استغل الرئيس المصري حادث الاعتداء على جنود مصريين في سيناء ليقيل رئيس المجلس العسكري، وزير الدفاع، محمد حسين طنطاوي، ورئيس الأركان سامي عنان، معلناً بذلك نهاية حكم وصاية المجلس العسكري.
أيلول 2012: انسحاب ممثلي التيارات الليبرالية من اللجنة التأسيسية واتهامهم الإسلاميين بفرض أجندة إسلامية والترسيخ لدولة دينية.
22 تشرين الثاني 2012: أصدر مرسي إعلاناً دستورياً اعتبر ممهداً لولادة ديكتاتورية، ما أثار تظاهرات ومواجهات واعتصامات أمام القصر الرئاسي.
25 كانون الأول 2012: إقرار الدستور المصري الجديد بموافقة بلغت 64% من نسبة المصوّتين في أجواء شابها بعض الشكوك واتهامات تزوير.

عن الأخبار

Unknown

About Unknown

هيئة التحرير

Previous
Next Post
ليست هناك تعليقات:
Write comments

شكرا

ابحث عن مقالات مثل التي قرأت

Advertise Here

المقالات الأكثر قراءة

_____________________________________________________
حقوق التأليف والنشر © مراجعات. جميع الحقوق محفوظة.