14 يونيو 2014

انقلاب الموصل: كيف نُفّذ وما مضاعفاته؟ ... تجربة سوريا تتكرر ... السيستاني: إلى السلاح ... واشنطن تبتز بغداد وطهران... والرياض «تــسخر»

    6/14/2014 06:52:00 ص   No comments

تجربة سوريا تتكرر

لم يكن أحد ليقدّر هذا الاستعجال من جانب الدول الراعية لمعركة تقسيم العراق، في الاحتفال بما حصل. يبدو أن تجربة سوريا لم تعلم أحداً شيئاً حتى الآن. الأتراك يركزون إعلامياً على قنصلهم وموظفيهم في الموصل، لكنهم يدرسون طريقة التدخل لتكريس حضور دائم في مواجهة الحلم الكردي وتحصيل «خوة» من نفط العراق. السعودية قلقة أيضاً على «الحقوق السياسية» للجماعات العراقية، لكنها تقول إنها تخشى «داعش»! وقطر قررت وصف ما يجري بأنه ثورة شعبية تقودها العشائر. أما حجم «داعش»، فيتولى الإخوان المسلمون تسويق أنه «هامشي جداً».

وفي أماكن أخرى من العالم، يظهر الغرب بقيادة الولايات المتحدة، «حرصاً» على عدم تحميله مسؤولية ما يشهده العراق. لا يريدونه نتيجة لـ«غزواتهم الصليبية». يحاولون إعادة الكرّة. أن يعرضوا خدماتهم حيث يقدرون على جني الأرباح. أما إسرائيل التي لا تعرف ما الذي تقوله نتيجة ما يجري في سوريا، فعينها على الأردن. هي تفكر في كيفية تثبيت احتلالها المباشر وغير المباشر، خشية قيام «فوضى جهادية» بالقرب منها.
أما في داخل العراق، فيمكن فهم الصورة على النحو الآتي:
- إعلان تيار شعبي من غرب البلاد الولاءَ للهجمة الهادفة إلى إعلان دويلة داخل دولة العراق. وهو ولاء تقوده بعض العشائر حتى إشعار آخر، بينما تتولى «داعش» إدارته على الأرض.
- محاولة قيادات سياسية وعسكرية من نظام البعث السابق العودة إلى الواجهة.
- إطلاق عمليات تطهير ديني يتولاها «داعش»، وتستهدف ردود فعل مشابهة تقود ـــ بحسب ما يتمناه «داعش» ـــ إلى حرب مذهبية مديدة.
- استشعار القوى النافذة في الحكم العراقي، من قوى سياسية إلى المرجعية الدينية، خطراً وجودياً، دفع هذه الأخيرة إلى الدعوة لحمل السلاح والجهاد. يبدو الأمر شعوراً بالخطر على الكيان السياسي الذي يعتقد الشيعة في العراق أنه قام بعد سقوط صدام حسين.
- تحاول حكومة نوري المالكي احتواء الصدمة، والشروع في عمليات عسكرية هدفها «وقف زحف داعش» والانطلاق نحو استعادة مناطق سيطر عليها المسلحون.
- تشير معظم التقارير إلى مساعدات عسكرية وأمنية عاجلة تقدمها إيران لحكومة المالكي. كذلك أُطلِقت من الولايات المتحدة إشارة تفيد بأن المالكي أبلغ واشنطن بأنه سيسمح للقوات الإيرانية بقصف تجمعات المسلحين من الجو إذا اقتضى الأمر. وأرفق طلبه هذا بدعوة واشنطن إلى الإسراع في تسليمه أسلحة اتفق على نقلها إلى العراق في وقت سابق.
- لم تظهر بعد أي مؤشرات على وجود مبادرة سياسية في الأفق تمنع ما هو شبه مؤكد: المواجهة الحتمية.
______________
السيستاني: إلى السلاح


في خطوة نادرة تخالف طبيعة مرجعية النجف التي تترك عادة السياسة لأهل الحكم وتعبّر في الوقت نفسه عن مدى الخطورة التي بلغتها الأوضاع في العراق، أفتى المرجع علي السيستاني، بالجهاد والتطوع في الجيش لمحاربة وإيقاف تقدم «داعش»، التي أشادت هيئة علماء المسلمين بمقاتليها، واصفةً إياهم بأنهم «ثوار» العراق.

وقال ممثل السيستاني في كربلاء الشيخ عبد المهدي الكربلائي، في خطبة الجمعة أمس، إن «الأوضاع التي يمر بها العراق ومواطنوه خطيرة جداً، ولا بد أن يكون لدينا وعي بقدر المسؤولية الملقاة على عاتقنا، وهي مسؤولية شرعية ووطنية كبيرة». وأضاف: «إن العراق وشعبه يواجهان تحدياً كبيراً وخطراً عظيماً، وإن الإرهابيين لا يهدفون إلى السيطرة على بعض المحافظات كنينوى وصلاح الدين، بل صرّحوا بأنهم يستهدفون جميع المحافظات، ولا سيما بغداد وكربلاء والنجف، فهم يستهدفون كل العراقيين وفي جميع مناطقهم، ومن هنا فإن مسؤولية التصدي لهم ومقاتلتهم مسؤولية الجميع، ولا تخص طائفة معينة أو طرفاً معيناً».
وأضاف أن «اندفاع أبناء الشعب في قواتنا المسلحة هو دفاع مقدّس، ويتأكد ذلك بعدما اتضح المنهج الظلامي لهؤلاء ورفضهم للتعايش، وسفك الدماء والاحتراب الطائفي لبسط نفوذهم وهيمنتهم على مختلف أرجاء الوطن».
وقد سارع الآلاف من شباب محافظات كربلاء والنجف والبصرة وميسان وواسط، لتلبية دعوة السيد السيستاني والتطوع في صفوف الجيش.
وفي وقت لاحق من أمس، وفي أول زيارة له للمناطق التي شهدت أعمال عنف خلال الأسبوع الفائت، وصل القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء نوري المالكي، إلى مدينة سامراء جنوب محافظة صلاح الدين، لبحث خطة الهجوم على مسلحي تنظيم «داعش».
وذكر مصدر في قيادة عمليات سامراء أن «المالكي اجتمع فور وصوله بقيادة العمليات والقادة الأمنيين، وعدد من أعضاء الحكومة المحلية في المحافظة»، مضيفاً أن «المالكي أعلن بدء الساعة الصفر في الهجوم على مسلحي «داعش» والتنظيمات المسلحة».
في الجهة المقابلة، وتأكيداً منه لسيطرته الكاملة على مدينة الموصل، أصدر تنظيم «داعش» ما سماها «وثيقة المدينة» فيها، دعا من خلالها إلى هدم المزارات الدينية، مطالباً النساء بالحشمة والستر والجلباب وفقاً للشريعة الإسلامية.
وقال التنظيم، في الوثيقة التي نُشرت في عدد من مناطق محافظة نينوى، إن «موقفنا من المشاهد والمواقد الشركية والمزارات الوثنية، أن لا ندع تمثالاً إلا طمسناه ولا قبراً مشرفاً إلا سويناه»، مطالباً النساء بـ«ارتداء الجلباب الفضفاض وترك الخروج إلا لحاجة، وفقاً للشريعة الإسلامية». وأضاف أنه «يحرم الاتجار والتعاطي بالخمور والمخدرات والدخان وسائر المحرمات».
ورأى التنظيم أن العمل مع الحكومة وفي صفوف الجيش والشرطة «عمالة وردة يقتل أصحابها»، مؤكداً أن «باب التوبة مفتوح لمن يريدها، فقد خصصنا أماكن لاستقبال التائبين».
وأورد تنظيم «داعش» في الوثيقة، مقارنة بين الأنظمة التي تعاقبت على حكم العراق، زاعماً أن «حقبة الدولة الإسلامية هي الأفضل وسيتضح الفرق بينها وبين الأنظمة السابقة».
وقد أثارت هذه الوثيقة حفيظة فصائل مسلحة أخرى تقاتل إلى جنبه، فسارعت هيئة علماء المسلمين إلى إصدار بيان تدعو فيه «داعش»، إلى ضرورة التخفيف من حدة تلك القرارات، ودعت إلى توحد المسلحين على هدف واحد. كذلك دعت الهيئة التي يترأسها حارث الضاري المعارض لحكومة نوري المالكي، إلى إطلاق سراح القنصل التركي والرعايا الأتراك المحتجزين في الموصل.
وأسدت الهيئة في بيان أمس «جملة من النصائح» إلى من سمتهم «ثوار العراق»، معتبرةً في بيانها المطوّل، أنّ «من الخطأ القاتل استعداء دول العالم، ولا سيما دول الجوار، فالثورة ما زالت برعماً يسهل قطعه، ونضرب مثلاً بمشكلة تعترض طريق الثورة الآن، هي مشكلة القنصل التركي المحتجز والرعايا الأتراك المحتجزين معه، حيث ليس في هذا الاحتجاز أي مصلحة للثورة وأبنائها والشعب العراقي قطعاً، مهما كانت الدواعي والأسباب».
أمنياً، مع توقف المدّ «الداعشي»، باتت الكرة في ملعب الحكومة لوضع خطة حماية لبغداد والعمل على استعادة بعض المناطق التي خسرتها. ووضعت السلطات العراقية أمس خطة أمنية جديدة، تهدف إلى حماية العاصمة من أي هجوم محتمل، وتشمل تكثيف انتشار القوى الأمنية فيها، حسبما أفاد المتحدث باسم وزارة الداخلية العميد سعد معن، موضحاً: «اليوم الوضع استثنائي، وأي عملية تراخي قد تسمح للعدو بأن يحاول مهاجمة بغداد».
وعن إمكانية استقدام قوات من أماكن أخرى، قال معن: «القوة الموجودة في بغداد كافية، ولكن هناك رغبة في الشارع للتطوع» استعداداً لأي هجوم محتمل.
من جهة أخرى، قال مصدر أمني كردي أمس، إن قوات البشمركة فرضت سيطرتها التامة على ناحية جلولاء في محافظة ديالى شرقي العراق، عقب الانسحاب المفاجئ لقوات الجيش والشرطة العراقية الذي تكرر أيضاً في ناحية السعدية القريبة منها.
إلى ذلك، أفادت مصادر محلية أمس، بأن القصف الجوي الذي نفذه الطيران العراقي على مسجد الفاتح، المقر الجديد لمسلحي «داعش»، أدى إلى مقتل 40 مسلحاً وجرح 30 آخرين.

____________

واشنطن تبتز بغداد وطهران... والرياض «تــسخر»
بدا واضحاً يوم أمس أن كلاً من الولايات المتحدة والسعودية، بغض النظر عن دورهما في التطورات الميدانية الأخيرة في العراق، تحاولان تثمير الواقع المستجد لابتزاز كل من بغداد وطهران والعمل على تعديل التوازنات الداخلية وتوزيع الكعكة العراقية بين الأطراف المتصارعة. انعكس ذلك في حسم الرئيس الأميركي باراك أوباما مسألة القي

ام بعمليات عسكرية ضد «داعش»، محملاً ما حصل لـ«فشل القادة العراقيين في تخطي الخلافات». موقف يتقاطع مع مقاربة الرياض التي اتهمت رئيس الوزراء نوري المالكي بالإخفاق في مواجهة التطرف وبـ«حث الأمور على الانفجار في بعض الأحيان». أما أنقرة التي توعدت بردّ قاسٍ على احتجاز مواطنيها في القنصلية التركية في الموصل ملوحةً بعملية عسكرية، فقد تراجعت عن التدخل، بعدما تعهد رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بذل جهود دبلوماسية فقط، للإفراج عن الرعايا الأتراك.

«سخرية» سعودية

وحمّل تركي الفيصل حكومة المالكي مسؤولية سقوط مساحات واسعة من الأراضي في شمال العراق بيد «داعش»، قائلاً إن بغداد «أخفقت في وقف ضم صفوف المتشددين الإسلاميين والبعثيين من عهد صدام حسين».
وأضاف في اجتماع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في روما أن تقدم قوات «داعش» ليس مفاجئاً، إذ إن الوضع في محافظة الأنبار «يغلي منذ زمن»، متهماً الحكومة العراقية «ليس بالتقاعس فقط»، بل بـ«حث الأمور على الانفجارات في بعض الأحيان».

ورأى الفيصل الذي يرأس حالياً مركز «إدارة مجلس الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية» أن «داعش» لا يملك بمفرده القوة لتحقيق هذا التقدم، بل تقف بجانبه تشكيلات قبلية وبعثيون وجماعات أخرى تعمل في العراق منذ الغزو الأميركي.
وفي شأن الحديث عن تدخل أميركي وإيراني محتمل، قال الفيصل إنّ «من السخرية أن نرى الحرس الثوري الإيراني يقاتل جنباً إلى جنب مع الطائرات الأميركية دون طيار لقتل العراقيين». وتابع: «إن هذا المشهد يفقد المرء صوابه ويجعله يتساءل إلى أين نتجه»، مشيراً إلى أن بلاده تعارض بشدة «داعش» المدرج على قائمة الإرهاب السعودية.

أوباما: لا تدخّل

وقال أوباما إنه طالب فريق الأمن القومي بإعداد خيارات لمعالجة الأوضاع هناك. وأكد في مؤتمر صحافي، أمس، دعم القوات المسلحة العراقية بالتعاون مع دول المنطقة، مشيراً إلى أنها لم تواجه مسلحين بأعداد كبيرة، ما يدل على وجود «مشكلة عقائدية». كذلك حمّل مسؤولية ما يجري «لفشل القادة العراقيين في تخطي خلافاتهم»، داعياً العراقيين إلى «التوحد لمواجهة الإرهاب». وقال أوباما إن أي عمل عسكري لا يترافق مع جهود سياسية سيكون مصيره الفشل.
في هذا السياق، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن الولايات المتحدة لا تتباحث مع إيران بشأن الأزمة في العراق. ونفت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية ماري هارف ما يشاع عن «انفتاح» واشنطن على مشاورات مع طهران في هذا الخصوص، مذكرة بأن البلدين لا يرتبطان بعلاقات دبلوماسية منذ 34 عاماً. ودعت هارف جيران العراق، بمن فيهم الإيرانيون، إلى «الامتناع عن القيام بأي عمل من شأنه المزيد من زعزعة الوضع وتغذية التوتر الطائفي».
وكان وزير الخارجية الأميركي جون كيري، قد توقع في وقتٍ سابق أمس، أن يتخذ أوباما «قرارات سريعة» بشأن العراق بسبب «فداحة الموقف». وأشار كيري، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره البريطاني وليام هيغ، إلى أن واشنطن ستواصل جهودها لمساعدة الحكومة في بغداد في محاربة «الدولة الإسلامية في العراق والشام». ودعا المالكي وقادة العراق إلى تنحية الخلافات الطائفية وإقامة جبهة موحدة.

حذار «سوريا ثانية»

وأثيرت في الأيام الماضية النقاشات في أوساط الجمهوريين بشأن عملية عسكرية محتملة لأميركا في العراق، إذ انتقد السيناتور الجمهوري جون ماكين قرار أوباما بالانسحاب من العراق، وكذلك السياسات التي اتبعتها الإدارة الأميركية في الشأن العراقي في فترة ما بعد الانسحاب. ورأى ماكين أن الحرب تنتهي «عندما يُهزم الأعداء»، ما يعني أن الحرب في العراق لم تنتهِ لأن «القوى التي تحارب ضد العراق لم تهزم بعد». وأكد ماكين في خطاب له خلال جلسةٍ للكونغرس ناقشت التطورات الأخيرة في العراق، أن الانسحاب الأميركي «ترك العراق في مواجهة تهديد الجماعات المتطرفة»، مضيفاً أن المالكي لم يتمكن من اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة تلك الجماعات. كذلك حذر من احتمال «تحول العراق إلى سوريا ثانية أو إلى دولة خلافة مستعادة».
من جهتها، أكدت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، أن التدخل العسكري الأميركي فى العراق ليس مناسباً الآن. وقالت كلينتون في حديثٍ لـ«بي بي سي» إن بلادها لن ترسل قواتها إلى العراق، «على الأقل ليس في المستقبل القريب».

أردوغان: مع الدبلوماسية

في هذا الوقت، انتقد أردوغان الدعوات إلى عمل عسكري سريع في العراق من أجل تحرير المختطفين، مشيراً إلى «تعذر» تنفيذ عمل عسكري، فيما أكد بذل الحكومة جهوداً مكثفة من أجل تخليصهم بالوسائل الدبلوماسية. وأضاف أردوغان، خلال مناسبة محلية، أن الأولوية الآن لـ«سلامة مواطنينا في الموصل»، لذلك «لا يمكننا أن نتصرف بشكل انفعالي مثل أحزاب المعارضة». وأعلن أردوغان أنه اتصل هاتفياً بالقنصل التركي المختطف في الموصل، لافتاً إلى أن المحاولات مستمرة من جانب أنقرة لإعادة المختطفين إلى عائلاتهم.
وكان وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو قد توعد بـ«رد قاسٍ» في حال تعرُّض الرعايا لخطر، وتحدث وزير العدل التركي عن احتمال شن عملية عسكرية لبلاده في شمال العراق.
وأكد نائب رئيس الوزراء التركي بولند أينج، أمس، أن تركيا كانت قد تلقت تحذيرات من احتمال وقوع هجوم على قنصليتها في الموصل، حيث تحتجز «داعش» 49 من الموظفين رهائن، بينهم القنصل. وأكد أرينج أن السلطات التركية على اتصال هاتفي مع الرعايا المحتجزين، قائلاً إن الرهائن «لم يتعرضوا لمعاملة سيئة» منذ بدء فترة حجزهم. وفيما أمل وصول أخبار سارة قريباً بشأن الرهائن، أكد أن الوضع «لا يزال هشاً». ونفى المسؤول التركي أي دعم من حكومته لمقاتلي «داعش»، وأعاد تأكيد ما قالته أنقرة عن أن لا علاقة لها بهذا التنظيم، قائلاً إن بلاده «لا تقدم أسلحة لهذه المجموعة أبداً».

____________________
انقلاب الموصل: كيف نُفّذ وما مضاعفاته؟


ما حدث خلال الأيام الماضية على الأرض هو إعلان وفاة رسمي وأخير للعملية السياسية الطائفية (صافين حامد ـ أ ف ب)

بين التفسير التآمري للأحداث وتفسير المؤامرة كحدث، فرق هائل يقفز عنه الكثيرون: التفسير التآمري للأحداث هو رؤية ذاتية غير موضوعية مسكونة بهواجس نفسية تعتقد أن كل ما يحدث هو «مؤامرة خطط لها ونفذها العدو». فحتى العواصف الترابية التي تضرب العراق مثلاً تفسر بهذا التفسير. أما تفسير المؤامرة كحدث فهو تحليل واقعي للقوى ولحركة هذه القوى المتصارعة وللأسباب والنتائج والوثائق، القصد منه تفسير مؤامرة فعلية خطّط لها ونفذها طرف ما ضد آخر. والمؤامرات الكبرى ليست قليلة في التاريخ، بل إن بعض المؤرخين والمفكرين اعتبر التاريخ الإنساني سلسلة طويلة من المؤامرات
علاء اللامي

حين قال رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في خطابه الأخير، بعد ساعات على إعلان سقوط عاصمة الشمال العراقي وثاني أكبر مدينة فيه، الموصل، إن ما حدث من انهيار عسكري تام لقوات النظام هو مؤامرة، اعتبر البعض على مواقع التواصل الاجتماعي، وأنا منهم، ما قاله تقليداً يعتمده المهزومون، ولكنني سجلت تحفظاتي على هذا الرأي أيضاً. وحين لفظ المالكي كلمة «خدعة» كوصف آخر لما حدث، و«إشاعات منسقة»، تذكرت ما كتبه القيادي البعثي الستيني الراحل هاني الفكيكي، أحد أقطاب الانقلاب العسكري في 8 شباط 1963، في كتابه «أوكار الهزيمة»، ونصّه: «لقد أسقطنا نظام الزعيم عبد الكريم قاسم بسلاح الإشاعة». ومعروف جيداً أنّ نظام البعث متمكّن جداً من استعمال هذا السلاح ومن إدارة الحرب النفسية والمخابراتية بشهادة أطراف محلية وأجنبية.

بدأت الحقائق تتكشف الآن. فما حدث في الموصل كان «انقلاباً عسكرياً من نوع خاص»، عملت عليه قيادة عزت إبراهيم الدوري بصمت وصبر ودهاء لوقت طويل حتى تمكنت من زرع شبكة معقدة ومؤثرة من الضباط السابقين الذين تم استثناؤهم من اجتثاث البعث في المؤسسة العسكرية لحكم المحاصصة، وخصوصاً في محافظتي نينوى وصلاح الدين، واستغلت داعش «كخُراعة خُضرة» كما يقال في اللهجة العراقية، أي «خيال المآتة» لإرعاب المستهدفين، ضمن تحالف انقلابي لاأخلاقي تماماً وفاقد للأفق!
غير أن الزمن الذي كان يخطط فيه البعث وينفذ وينتصر ثم يحكم البلد لعدة عقود ولّى إلى غير رجعة، وستكون الوقائع على الأرض في نينوى وتكريت كفيلة بتبديد أحلام الدوري وميليشياته خلال أشهر قليلة، وربما أسابيع، ولكنها للأسف الشديد ستكون مريرة ومؤلمة للعراقيين في تلك المناطق! وأول كابوس سيفشل الدوري في تبديده هو الاشتباك الحتمي بالسلاح بين عناصره المسلحة وداعش ومن معها، وكاد يبدأ هذا الاشتباك قبل قليل بسبب تعليق صور الدوري في المناطق المسيطر عليها من قبلهم ولكنهم تفادوه! لكن الأكيد هو أن هذا الانقلاب قد وضع خطة تقسيم العراق قيد التنفيذ، وفتح باب التدخلات الإقليمية «الإيرانية والتركية» والعالمية الغربية واسعاً، بل واسعاً جداً!
جاء خطاب المالكي متناقضاً ومرتبكاً وسطحياً. ويبدو أن هدفه الرئيس مما قاله هو رفع معنويات حلفائه وشركائه في الحكم، إذْ يبدو أنه لا يتوب ولا يملُّ من تضليل وأكاذيب مستشاريه وقادته العسكريين، حتى وهو في قاع هزيمة عسكرية خطرة كالتي حدثت أخيراً.

ما حدث في الموصل كان
«انقلاباً عسكرياً من نوع خاص»، عملت عليه قيادة عزت الدوري
قال المالكي أيضاً إن هناك مؤامرة وراء سقوط الموصل، وإنه يعرف التفاصيل والأسماء ومن أطلق الإشاعة وأمر بسحب القوات، مع أنها كانت كافية لصدّ المهاجمين، بل أكثر من كافية. وبعدها بساعات، نعم بساعات، سقطت مدينة تكريت! فهل كان المالكي يعرف التفاصيل أيضاً، أم أن الوقت لم يسعفه لتفادي الضربة الثانية؟ كلام المالكي يوحي بأن اختراقاً أمنياً قد حدث داخل قيادات الجيش في الموصل لمصلحة داعش وحزب البعث/جناح الدوري، وهذا وارد جداً، وأرجّحه تماماً، ولكن المشكلة وسبب الانتكاسة وسقوط نينوى بيد داعش والبعث الصدامي الدوري ليس هنا، بل في فشل رئيس الوزراء ومن معه في العملية السياسية الطائفية، وفشلهم في الخروج منها، أو تعديلها وجعلها قابلة للحياة، لأنها أسّست على أيدي المحتلين الأميركيين لتكون ضد المضمون التعددي والمتنوع للمجتمع العراقي.
نعم، لقد فشل المالكي في إنجاز مصالحة وطنية مجتمعية حقيقية، وفي ملف الخدمات، وفي الملف الأمني، وصار حامياً للفساد والفاسدين في حكومته، وفاقمت حكومته وأجهزته من الاستقطاب الطائفي والقومي بين العراقيين، وخلال ذلك بقيت العملية السياسية تواصل تعفنها وتحللها، وقد بُحَّت أصوات الوطنيين الديموقراطيين المناهضين للاحتلال والطائفية من الصراخ والتحذير من نتائج ذلك وخطورته على وجود العراق ووحدته وسلامة شعبه!
ما حدث خلال الأيام الماضية على الأرض واستيلاء داعش وحلفائها على عاصمة الشمال العراقي ومدن أخرى هو إعلان وفاة رسمي وأخير للعملية السياسية الطائفية، وليس أمام المالكي سوى أمرين متاحين: إغراق العراق والعراقيين في حرب أهلية طويلة ومدمرة لن ينتصر فيها أي طرف، أو، وهذا هو الخيار الثاني الذي لن يجرؤ عليه المالكي كما أعتقد، الإجهاز على أساس العملية السياسية الطائفية والدعوة إلى عقد مؤتمر تأسيسي بمشاركة جميع القوى السياسية والأطراف المجتمعية ليعدل الدستور ويطلق عملية سياسية وطنية تحرّم وتجرّم الطائفية السياسية، وتعلن علمانية ومدنية الدولة القائمة على المواطنة وليس على دولة المكوّنات، كما أراد المحتلون وحلفاؤهم.
ما قاله المالكي اليوم سيكرره بعد شهر أو شهرين بالمضمون ذاته، ولكن الاختلاف في المشهد هو أن آلافاً أخرى من العراقيين ستقتل وتجرح وتهجر، ومدناً أخرى ستدمر وتحرق، ووحدة العراق وشعبه ستكون في مهب الريح.
ولكن، كيف نُفّذ انقلاب الموصل؟ بربط الأحداث الفعلية على الأرض وتحليل الشهادات والتسريبات والتقارير الإخبارية الخاصة بما بات يسمى انقلاب الموصل، نعتقد أن طرفين رئيسيين شاركا فيه عملياً: الطرف الأول هو «بعث الدوري» وكانت حصته تشمل التخطيط وزرع شبكة الضباط البعثيين في القيادات العسكرية الحكومية وتجهيز بضع مئات من المسلحين في الميليشيات النقشبندية، بعد أن تبدّدت تنظيمات البعث وجبهاته «المقاومة» التي كان يعلن عنها الدوري في بياناته في السنوات الماضية. أما الطرف الثاني الذي وفّر المسلحين المدربين جيداً فهو التنظيمات التكفيرية كداعش وأنصار السنّة وغيرهما، إضافة إلى قوى عشائرية طائفية يقودها شيوخ عشائر من أمثال حارث الضاري الذي بارك الانقلاب من العاصمة الأردنية، وعلي حاتم ورجال دين من أمثال رافع الرفاعي وعبد الملك السعدي اللذين طالما اعتبرا الجيش العراقي «جيش احتلال في المنطقة الغربية». وقد أكد أحد الشهود العيان هذا المعنى لصحيفة «البديل العراقي» الإلكترونية، حين قال إنّ المسلحين الذين اقتحموا الموصل كانوا من غير العراقيين في غالبيتهم، وحين نفّذوا الاقتحام وهدأت الأوضاع وخرجنا من بيوتنا، وجدنا بدلاً منهم مسلحين عراقيين يحمون المصارف والمؤسسات، في حين التحق المسلحون غير العراقيين بساحات قتال أخرى!
لقد نُفّذت خطة الانقلاب بسلاسة وسهولة بمجرد حلول الساعة الصفر التي زوّدت القيادة الانقلابية بها ضباط الشبكة الاختراقية داخل قيادات الجيش في محافظتي نينوى وصلاح الدين، فوجد القادة الكبار، كنائب رئيس الأركان عبود قنبر وقائد القوات البرية علي غيدان، أنفسهم دونما جيش أو ضباط وسطيين، ولم يكن في وسعهم سوى طلب إخلائهم من قبل الميليشيات الكردية إلى مدينة أربيل القريبة. وقد تفادى قائد عمليات نينوى مهدى الغراوي هذا المصير، لأنه كان حينها في مقر إحدى قطعاته في ضواحي الموصل، وبالضبط في منطقة الخازر، وقد حاولت أطراف كردية تشويه الرجل وفبركوا له صورة يظهر فيها أحد أفراد ميليشيات «البيشمركة» خلفه، ولكنه نجح في إثبات أنه لم يغادر موقعه وأنه مستمر في استجماع بقايا قواته. ونشير إلى أن عناصر البيشمركة لعبوا دوراً مشؤوماً ومريباً في الأحداث، فكانت تجبر العسكريين المنسحبين على خلع ملابسهم العسكرية وتعطيهم ملابس مدنية ثم تظهرهم بمظهر الفارين من المعركة أمام الكاميرات.
على صعيد المضاعفات والنتائج المهمة، المتوسطة والبعيدة المدى لهذا الانقلاب الذي خطط له ونفذه الدوري وحلفاؤه في المنظمات السلفية الانتحارية، يمكننا أن نرصد ونسجل النتائج والمضاعفات الآتية:
ــ وضع العراق ككل قيد التقسيم إلى دويلات طائفية، أو في الأقل فصل محافظتي نينوى وتكريت وأجزاء من ديالى بقوة السلاح، أما الأنبار فلها وضعها العشائري الخاص الذي سيُصَعِّب تنفيذ هذا المخطط فيها. فالنزوع الوطني العراقي متجذر هنا، وقد أفشل مخطط تحويل المحافظة إلى إقليم رغم قوة وكثافة الأطراف التي دعت إليه، والعداء للتكفيريين يسود مناطق واسعة من المحافظة، ربما تستثنى من ذلك مدينة الفلوجة، إضافة إلى حساسيات محلية لم تكن ظاهرة للعيان في الماضي القريب تشوب العلاقات بين المكوّنات الأفقية «عشائر وأسر» في الأنبار ونينوى.
ــ فتح الباب واسعاً أمام التدخلات الإقليمية، وخاصة إيران المدفوعة بالهاجس الطائفي والاستهداف الغربي، وتركيا المدفوعة بالهاجس ذاته إضافة إلى الأطماع القديمة في «ولاية الموصل» في العهد العثماني. وكذلك فتح الباب أمام التدخلات الغربية التي قد تأخذ شكل عودة مباشرة، ولكن تدريجية، لقوات الاحتلال الأميركية إلى أرض العراق، أو، في الأقل، تقديم المساعدات الكبيرة لنظام المحاصصة بما يكفل توثيقه بالمزيد من قيود التبعية للولايات المتحدة.
ــ انقلاب الموصل دفن نهائياً فكرة إنهاء أو حتى تخفيف تطبيق الاجتثاث للبعث والبعثيين ضمن قانون «المساءلة والعدالة»، وستطلق الحكومة الحالية حملة عنيفة وشاملة ضدهم، ولن يكون سهلاً بعد الآن على الديموقراطيين واليساريين المطالبين بإنهاء ملف الاجتثاث أو التخفيف منه أو اعتباره جنائياً وليس سياسياً أن يكرروا مطالباتهم هذه، بعد أن ثبت بالدليل القاطع أن مرض هذا الحزب المزمن بالتآمر والانقلابات لا شفاء منه، وهذا ما سيجعل آلاف الأبرياء يدفعون ثمن حماقات الدوري وجشعه الى كراسي الحكم الانقلابي في زمن انتهت فيه حكاية الانقلابات المسلحة.
ــ سيكون هذا الانقلاب آخر حفنة تراب تهال عملياً على قبر «الصدامية السياسية» والقوى الميليشيوية في العراق، وسيقوّي من أوار الاستقطاب الطائفي ويفتح باب الاقتتال الطائفي والتكفيري المتبادل والمكشوف بين عرب العراق. وفي كل هذا، فإنّ عاراً جديداً قد أُلحق بالبعث الصدامي؛ فإذا كان أعداؤه يسجّلون عليه أنه تعاون مع المخابرات الغربية في انقلاباته السابقة، فهو في عهد الدوري قد وضع يديه بأيدي التكفيريين من قتلة شعبه ومفجّري المدنيين العراقيين في الشوارع ودور العبادة بسياراتهم المفخخة وأحزمتهم الناسفة، وهذا ما قد يدفع بعض البعثيين العراقيين المخلصين لأفكارهم وتجربتهم إلى أن يقولوا كلمتهم النقدية في ما حدث، مع أننا لسنا متفائلين كثيراً بحدوث ذلك.
ــ سوف يتسبّب الانقلاب بضياع محافظة كركوك الغنية بالنفط والمتعددة المكونات وضمّها إلى الإقليم الكردي، وهي محتلة عملياً من قبل البيشمركة الكردية منذ يوم الخميس 12 حزيران، ولن يتحمّس للدفاع عنها الكثيرون من غير العرب السنّة بعد الذي جرى في الموصل وتكريت، ولكن محافظة الأنبار قد تقترب أكثر من محافظات الوسط والجنوب ليشكلوا معاً نواة عراق آخر ينهي الدويلات الميليشيوية الطائفية في الموصل وغيرها، بمجرد سقوط حكم المحاصصة الطائفية في بغداد.
ــ وعلى المقلب الآخر من هذه الصورة المتشائمة، يكون هذا الانقلاب قد أعلن أيضاً نهاية حقبة حكم المحاصصة الطائفية وعمليتها السياسية ودستورها الاحتلالي، وأثبت بالدليل الملموس خطرها على وحدة العراق ووجوده كدولة وعلى سلامة شعبه. والسؤال الآن هو: كيف سيتم إنهاء هذه الحقبة عملياً والانطلاق نحو بناء عراق المواطنة والمساواة على أنقاض عراق المكوّنات والمحاصصة؟

فيسك: السعودية تموّل الخلافة

اتهم الكاتب روبرت فيسك، في مقال في صحيفة «ذي أندبندنت» البريطانية، أمس، السعودية بالوقوف وراء ما يحصل في العراق. وقال إن «الخلافة الإسلامية في العراق وبلاد الشام وفاتحي الموصل وتكريت والرقة في سوريا وربما بغداد، ومذلي بوش وأوباما»، هم «من أفظع إسهامات السعودية في تاريخ العالم». وأضاف إن «الجهاديين الممولين من قبل السعودية والحكام في الكويت، من حلب وصولاً إلى الحدود العراقية ــــــ الإيرانية، إضافة إلى المجموعات المتنوعة الأخرى، يسيطرون الآن على آلاف الأميال المربعة».
وفي هذا السياق، رأى فيسك أن «من الممكن قريباً أن تبتعد قطر عن دعم المسلحين المتطرفين في العراق وسوريا، لتتقرّب أكثر من النظام السوري، وذلك بدافع الخوف والكره العميق لجارتها السعودية».

_____
(الأخبار)

RS

About RS

هيئة التحرير

Previous
Next Post
ليست هناك تعليقات:
Write comments

شكرا


ابحث عن مقالات مثل التي قرأت

Advertise Here

المقالات الأكثر قراءة

_____________________________________________________
حقوق التأليف والنشر © مراجعات. جميع الحقوق محفوظة.