30 نوفمبر 2012

في الحاجة إلى وعي سياسي جديد

    11/30/2012 12:40:00 م   No comments

عبد العلي حامي الدين*

تمر حكومات الربيع العربي بوضعية سياسية لا تحسد عليها، فقبل أن يلتقط الحاكمون الجدد أنفاسهم وينطلقون في استيعاب منطق السلطة ومستلزمات تدبير شؤون الدولة، عادت جحافل المحتجين إلى الشارع للتعبير عن غضبها من سياسة العهد الجديد.

في مصر اتخذ الرئيس المنتخب بطريقة ديموقراطية قرارات مؤقتة لا تتجاوز مدة صلاحياتها ثلاثة أشهر، وهي إصدار الإعلان الدستوري الذي نص على إعادة التحقيق في جرائم قتل المتظاهرين، وكذلك تحصين كل القرارات والمراسيم التي يصدرها الرئيس حتى انتخاب برلمان جديد، وتحصين الجمعية التأسيسية للدستور ومنحها شهرين إضافيين لإنجاز عملها، فضلا عن تعيين نائب عام جديد..هذه القرارات كانت كافية لتوحيد قوى المعارضة بمختلف أطيافها للنزول إلى الشارع والتعبير عن رفضها للقرارات الجديدة، بل وصل الأمر بأحد مرشحي الرئاسة في الانتخابات السابقة إلى طلب التدخل الأجنبي لإنقاذ مصر!

'قوى المعارضة' هو لفظ عام يطلق على شباب الثورة الذي يحمل تصورات مثالية عن السياسة والسلطة، كما ينسحب على الأحزاب التقليدية التي فشلت في الانتخابات الرئاسية ولم تنجح في تجديد دمائها لاستيعاب متطلبات المرحلة الجديدة..لكن فلول النظام السابق وبقايا الدولة العميقة تسللت بدورها لتحجز لها مكانا بين 'قوى المعارضة' وهنا وجب الانتباه والحذر من الزج بالشارع في معارك لن يستفيد منها إلا خصوم الثورة والتغيير في الداخل والخارج.

علينا أن ننتبه في هذا الصدد إلى أننا بصدد قوى سياسية مختلفة فكريا وتتنافس باستمرار على من يستطيع امتلاك ثقة الشارع، لكن في نفس الوقت علينا أن ننبه إلى أن منطق الديموقراطية يفترض وجود أغلبية حاكمة ووجود أقلية في المعارضة، ومن واجب هذه الأخيرة أن تقوم بنقد من يوجدون في السلطة ومعارضتهم وتنبيههم إلى أخطائهم، لكن في نفس الوقت علينا أن نحذر من أن الديموقراطية الناشئة في دول الربيع العربي لا تتحمل بعض الضربات القوية باعتبارها ديموقراطية فتية لازالت في طور التشكل.

لا ينبغي لحالة الاستقطاب السياسي أن تدفع قوى المعارضة الحقيقية إلى السماح بخلط الأوراق أمام الشارع العربي، وأن تساهم في 'تبييض' صفحات مراكز النفوذ وقوى الدولة العميقة المسؤولة عن سنوات الفساد والاستبداد، وأن تتناسى السياق الثوري الذي أسقط أنظمة دكتاتورية وفاسدة، وجاء إلى موقع السلطة بقوى سياسية جديدة كانت منبوذة في المرحلة السابقة.

أحداث كثيرة مرت فوق السطح في ظرف قياسي سمحت بتغيير المشهد السياسي وبالاعتراف الكامل بفاعل سياسي كان دائما يتمتع بوضعية المنزلة بين المنزلتين، ويشعر بعدم الاندماج الكامل.

في المغرب أيضا هناك نفس التحديات مع اختلاف في النسبة والأوزان، ومع الخصوصية التي يتميز بها المشهد السياسي المغربي عن باقي أقطار العالم العربي، فقد حقق حزب العدالة والتنمية قفزة كبيرة بانتقاله من المعارضة إلى رئاسة الحكومة وهو الذي لم يسمح له بالمشاركة في الحكومات السابقة رغم أنه كان يحقق نتائج محترمة في الانتخابات التشريعية السابقة، بل يمكن القول بأن الرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية لـ2002 و2007 كانت تنتزع منه انتزاعا.

بين مرحلة سياسية عانى فيها الحزب مسلسلا من الضغوطات ومحاولات التحجيم والتضييق التي انطلقت بتحميله المسؤولية المعنوية عن الأحداث الإرهابية لـ16 مايو وبين محطة الاستقبال الملكي لعبد الإله بنكيران بميدلت يوم 29 نوفمبر 2011 وتعيينه رئيسا للحكومة جرت مياه كثيرة استطاع فيها حزب العدالة والتنمية أن يتجاوز الكثير من اللحظات الصعبة في مسيرته الإصلاحية، وأن ينجح في امتصاص الكثير من الضربات وأن يحافظ على أدائه السياسي المتوازن داخل المؤسسات وخارجها وأن يراكم تجربة مقدرة داخل المؤسسة التشريعية وداخل المجالس البلدية، وأن يتجاوز فترات عصيبة بعدما أصبح هدفا واضحا لمشروع سلطوي تحكمي انطلق سنة 2008 ولم يدخر جهدا لاستلهام النموذج التونسي على عهد بنعلي الهارب أو النموذج المصري على عهد مبارك المخلوع.

اندلعت الثورات العربية في المنطقة وبدأت أحجار الدومينو تتساقط تباعا تحت ضغط الشارع الغاضب، ولم يكن المغرب استثناء ونزل مئات الآلاف من المغاربة يوم 20 فبراير للمطالبة بالديموقراطية والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وشارك معهم عدد من مناضلي الحزب تحت سقف الملكية برلمانية.

الناخبون الذين اختاروا التوجه إلى صناديق الاقتراع يوم 25 نوفمبر 2011 حملوا رسالة قوية إلى الجميع أملا في التغيير الحقيقي المقرون بالاستقرار، وبحثا عن استثناء مغربي حقيقي يقطع مع الفساد والظلم والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي ويحافظ في نفس الوقت على الوظائف الحيوية لاستمرارية النظام السياسي في شكله الحالي، مع تغيير جوهره ليستجيب لمواصفات الديموقراطية كما هي متعارف عليها عالميا، وتجنب السيناريوهات العنيفة التي وقعت فيها بلدان أخرى.

اليوم نحن أمام مرحلة سياسية جديدة مفتوحة على آمال عريضة، وهي آمال تلقي بمسؤوليات ثقيلة على عاتق الحكومات الجديدة وتنبه الجميع إلى ضرورة القطع مع ممارسات سابقة أضعنا معها الكثير من الوقت لتحقيق التنمية والحرية والكرامة، ولم يعد أمامنا وقت نضيعه في زمن الشعوب الثائرة.

نحن في حاجة إلى ترسيخ ثقافة سياسية جديدة داخل المجتمع وبين أوساط نخبه السياسية التي اعتادت على ربط مواقع السلطة بخدمة أغراض الجاه المفيد للمال ومراكمة الثروة.

أهم إنجاز في هذه المرحلة هو تحرير الممارسة السياسية من معاني الارتزاق والاستثمار، واسترجاع المعنى النبيل للسياسة المرتبط بخدمة الناس والعمل على إصلاح معاشهم اليومي، ذلك أن بلداننا اليوم في حاجة ماسة إلى طينة جديدة من المسؤولين يمتلكون الجرأة على قول الحق وإعلان المغايرة والاختلاف على نماذج من السياسيين أفسدوا مفهوم السياسة وحطموا ثقة المواطن في السياسة والمؤسسات.. إن ما سبق لا يستبطن أي تصور مثالي للسياسة ولا يتجاوز منطق السلطة والإكراهات المحيطة بممارستها وطبيعة الألغام الموجودة في طريقها، لكن بداية الغيث هي التحرر من الثقافة السياسية السائدة ووضع البلاد على سكة ثقافة سياسية جديدة عنوانها الكبير أنه يمكن ممارسة السياسة بالموازاة مع أخلاق الصدق والاستقامة وقول الحقيقة كاملة والتعفف عن المال العام.
ومن مقتضيات الثقافة السياسية التي نحتاجها أن السياسي لا ينبغي أن يقول الحقيقة للسلطة فقط، ولكن كذلك للمجتمع، فلا يمكن محاربة الفساد بدون انخراط المواطن وتعاونه الكامل مع السلطة للضرب على يد الفاسدين والمفسدين.

إن أي تنازل عن قول الحقيقة للمجتمع في الوقت المناسب يمثل إعاقة مزمنة للديموقراطية التي لا يمكن أن تقوم إلا على أساس تغيير ثقافة المواطن وتحريره من مسلسل الإحباطات والهزائم النفسية التي وقع ضحية لها بفعل خيبات الأمل المتكررة في النخب السياسية التي تحملت مسؤولية تدبير الشأن العام ولم تحقق ما كان منتظرا منها، ولم تصارح الرأي العام بأسباب فشلها ولم تصدح بالعوائق الحقيقية التي اعترضت طريقها، مخلفة وراءها العديد من الأسئلة والاستفهامات ذات الطبيعة الفكرية والسياسية والأخلاقية..والأخطر من ذلك أنها أنتجت عقلية سلبية لدى المواطن مستسلمة أمام الواقع الفاسد ولا تؤمن بإمكانية تغييره.

إن المتابعة الشعبية الواسعة للحكومات الجديدة تعكس حجم الأمل وحجم الانتظارات الواسعة المعلقة عليها، ولذلك فإن نخبتنا السياسية اليوم مطالبة بترسيخ تقاليد جديدة في علاقتها بالمواطن تحصن منسوب الثقة الموجودة فيها اليوم وترتقي به إلى وعي سياسي حقيقي يفهم خطاب الحكومة ويتفهمها في اللحظات العصيبة التي ستمر منها بدون شك.

* كاتب من المغرب

Unknown

About Unknown

هيئة التحرير

Previous
Next Post
ليست هناك تعليقات:
Write comments

شكرا

ابحث عن مقالات مثل التي قرأت

Advertise Here

المقالات الأكثر قراءة

_____________________________________________________
حقوق التأليف والنشر © مراجعات. جميع الحقوق محفوظة.