25 نوفمبر 2015

بوتين وأردوغان: المواجهة الأولى.. جواً

    11/25/2015 07:08:00 ص   No comments

مكان سقوط الطائرة الروسية في سوريا
انهيار قواعد الاشتباك في سماء سوريا ومسار تسوية فيينا؟

شرارات المواجهة الكبرى تطايرت في سماء المنطقة. وعلى الرغم من أن اشتعالا أكثر خطورة لم يحدث حتى ساعات متأخرة من ليل أمس، الا أن كثيرين باتوا ليلتهم في ظلال هواجس الخوف من أمرين: طبيعة الردّ الروسي في القادم من الأيام على إسقاط مقاتلتهم الجوية «السوخوي - 24»، وما ارتكبه رجب طيب أردوغان في هذه اللحظة الاقليمية الملتهبة، وما اذا كان سيكرره مستقبلاً مع ما يعنيه ذلك.
فلاديمير بوتين في لحظة اندفاع اقليمي ـ ودولي، سيكون من الصعب عليه ابتلاع الإهانة التركية، لما سيلحقه ذلك من أثر سلبي، لا على «عاصفته السورية» فحسب، وإنما على هيبة الدخول القوي للكرملين على المشهد الإقليمي من البوابات السورية والعراقية والمصرية وغيرها. وسيكون امام سيد الكرملين خيارات مرّة تحاول الموازنة بين «حق الرد»، وهو آت كما اعلن بنفسه، وبين ضبط المواجهة الباردة على طريقة الدب الروسي، ربما بقساوة وتدحرج، و«ذكاء» وفق نصيحة مضيفه الايراني المرشد علي خامنئي قبل يومين.
الاصطدام بين بوتين وأردوغان صار حتميا مع انهيار قواعد الاشتباك التي تحكم المشهد السوري، والتي كان بوتين قد عدّلها عندما أطلق «عاصفة السوخوي»، وسبقه الاميركيون قبل نحو عام عندما عدّلوها بدورهم بعدما قرروا الانخراط في حربهم على «داعش» في سوريا. وتثار الاسئلة التالية الآن: هل سقطت قواعد الاشتباك بالكامل؟ ومن يحتمل هذا الالتباس الجوي في لحظة تداخل الحروب على الأرض السورية؟ وهل سترضخ موسكو ودمشق وطهران لهذا التعديل؟ وهل يحتمل حلف شمال الاطلسي تداعيات مثل هذا السقوط؟ ومن سيحدد الآن «الخطوط الحمراء» الجديدة؟
وعلى الرغم من ان الكرملين كان حريصا على التذكير مساء بأن تصريحات بوتين لم تتضمن تهديدا بالرد العسكري، وهي ربما اشارة الى امتناعه عن الاصطدام العسكري المباشر مع أنقرة، الا ان التقديرات تشير الى ان القوات المسلحة الروسية ستعمد الى الرد من خلال حسم الجيش السوري الوضع على جبهات الشمال اللاذقاني، خصوصا في جبال التركمان، احد مناطق النفوذ التركي المباشر، فيما الجيش السوري يتقدم خلال الساعات الماضية ويسيطر على كتف الغدر والملوحة والمركشلية، بعدما كان سيطر على اكثر من 30 من قمم الجبال في هذه المنطقة خلال الاسبوعين الماضيين والخارجة عن سيطرة دمشق منذ نحو ثلاثة اعوام، على بعد ما بين 8 الى 10 كيلومترات من حدود تركيا.

قبل يومين كان بوتين يطمئن السيد خامنئي الى ان موسكو لا تطعن حليفها. بالأمس، تلقى الرئيس الروسي الطعنة من أردوغان. «روسيا لن تتسامح مع الجريمة»، قال القيصر الروسي.
تركيا، الدولة التي ظنّها «صديقة» كما اشار، وجهت لروسيا «طعنة في الظهر» بإسقاط الطائرة الروسية فوق الاراضي السورية. وسواء انتهكت ام لم تنتهك الاجواء التركية، فان بوتين كان واضحا: مهما يكن فان الطائرة لم تكن تشكل تهديدا لتركيا وانما كانت في مهمة قتالية لمحاربة الارهاب.
سيكون امام تركيا الكثير لتفعله وتقوله لتتموضع في خندق مواجهة اكثر اقناعا، لا امام الروسي الغاضب وحده، وانما امام الشركاء الاخرين في حلف شمال الاطلسي، المتوجس بطبيعة الحال من اشتعال البركان السوري بما هو اكثر من القدرة على الاحتمال، بسبب الخفة التركية في التعامل مع موقف شديد الحساسية والتعقيد كالذي جرى بالأمس. واذ أيّد الحلف الرواية التركية حول الانتهاك الروسي، الا انه شدد خلال اجتماعه في بروكسل على اهمية استمرار آلية التنسيق والتشاور. اما وزارة الدفاع الاميركية فقد حرصت على الاشارة بعد تصريحات الرئيس باراك اوباما حول حق تركيا في الدفاع عن حدودها، الى ان هذه المشكلة هي بين حكومتي موسكو وأنقرة.
وفي مؤشر بالغ الدلالة على حتمية الصدام مع موسكو، خرج أردوغان بعد اجتماع رفيع المستوى لكبار القيادات العسكرية والامنية والسياسية، ليخالف كل التوقعات بانه سيعمد الى احتواء التوتر، واذا به يلقي قنبلة سياسية لا تقل خطورة عن اسقاط طائرة السوخوي صباحا. وبخلاف الكلام البديهي عن حق تركيا في الدفاع عن حدودها، فانه قال صراحة إن انقرة ستعمل بالتعاون مع حلفائها على اقامة المنطقة الآمنة داخل الاراضي السورية من جرابلس الى البحر المتوسط، وجدد التأكيد على دوره في دعم المعارضة السورية ضد «نظام الاسد» وتحدث عن السوريين التركمان كأنهم من رعاياه ومن واجبه الدفاع عنهم.
ولم تتأخر موسكو في الرد، فسرعان ما أعلنت وزارة الدفاع الروسية بعد تصريحات اردوغان النارية ليلا، قطع العلاقات العسكرية مع انقرة، وأمرت باستخدام نظام «اس 300» للدفاع الجوي في الشمال السوري، وإسقاط أي طائرة يمكن ان تعتبرها موسكو تهديداً لقواتها في السماء السورية.
وبدا من الواضح ان تركيا نجحت في فرض امتحان صعب على الروس، سواء باسقاط «السوخوي» او بإسقاط الطوافة العسكرية التي كانت تقوم بمهمة انقاذ في الشمال السوري لاحقاً، وذلك بعد اسابيع قليلة على تبنّي «داعش» جريمة تفجير الطائرة المدنية الروسية في سماء سيناء.
كمين مدبّر؟
فهل هو كمين مدبّر؟ فمن غير الواضح كيف تسنّى للاتراك خلال نحو تسع ثوان، وهي الفترة التي يعتقد ان «السوخوي 24» استغرقتها اثناء التفافها والعبور بتماس قبالة الحدود التركية، اجراء اتصالات انذار مباشرة مع الطيارين الروسيين، ثم اتخاذ قرار باسقاط طائرتهما. وحتى لو كانت الرواية التركية دقيقة حول توجيه عشرة انذارات للطائرة الروسية «خلال خمس دقائق»، فكيف ستبرر اسقاطها لطائرة مخصصة للمهمات القتالية الأرضية وهي تقوم بعملية عسكرية في اراضي الشمال السوري وفي السماء السورية كما تؤكد وزارة الدفاع الروسية.
لن يشاهد بوتين صور الطائرة الروسية وهي تسقط مشتعلة في ريف اللاذفية الشمالي فقط. غالب الظن، ان مساعديه جلبوا له مشاهد اخرى نشرها موقع «اعماق» التابع لتنظيم «الدولة الاسلامية - داعش»، لمسلحين يطلقون النار بكثافة على الطيار الروسي خلال هبوطه الاضطراري بالمظلة قبل وصوله الى الارض، ثم عرض صوره مقتولا بين «الجهاديين» المبتهجين. كما سيطلع على البيانات الصادرة عن مسلحي الشمال يؤكد اطلاق النار على الطيارين خلال هبوطهما الاضطراري.
المساحة الضيقة من الشريط الحدودي ما بين الريف الشمالي للاذقية وبين الحدود التركية، لا تدع مجالا للشك بأن الحاضنة التركية للمسلحين، والصاروخ التركي الذي اسقط الطائرة الروسية، شريكان حتميان في مشهد واحد على جانبي الحدود.
هذا جانب مما تفضحه حادثة الطائرة الروسية. مجددا تتضح طبيعة الدور التركي في سوريا، وحنق القيادة التركية ازاء «العاصفة الروسية» التي تتخذ منحى تصاعديا، وتزداد اقترابا من الحدود التركية من خلال عمليات القضم التدريجي التي يقوم بها الجيش السوري والحلفاء لبلدات وجبال الشمال السوري، حيث المرتع الآمن لمختلف الفصائل الارهابية، وخصوصا المرتبطة مباشرة بالاستخبارات التركية.
اما الغيرة التركية بشأن الدفاع عن الحدود، وهي الذريعة التي قدّمها رئيس الحكومة احمد داود اوغلو، فانها ملتبسة. الحدود التركية مشرّعة منذ نحو خمسة اعوام امام كل اشكال المؤامرات والسلاح و «الجهاديين». تركيا، نظريا، اعلنت انخراطها في ائتلاف الحرب على الارهاب الذي تقوده واشنطن، وفتحت قاعدتها «انجرليك» امام المقاتلات الاميركية. بوتين كان واضحا عندما اشار الى ان الولايات المتحدة شريكة في الحرب على الارهاب، فكيف يستوي السلوك التركي في ظل هذه التناقضات؟
وربما كان لدى بوتين اجابته الخاصة على هذا التناقض عندما وجه اتهامات صريحة لأنقرة وهو يتساءل عن عدم اتصال الاتراك مباشرة بالروس، والاتصال فورا بحلف «الناتو»، فهل يعني ذلك محاولة من جانب أردوغان لوضع حلف الاطلسي في خدمة «داعش»؟!
اسئلة ودلالات
ومهما يكن، فإن المباغتة التركية تحمل الكثير من الدلالات. فهي جاءت بعد اقل من 24 ساعة على اللقاء الاستثنائي بين بوتين وخامنئي بكل ما وجهه هذا اللقاء من رسائل، والكثير منها مزعج بالتأكيد لأنقرة خصوصا في ما يتعلق بمخارج الحل السوري والموقف من الرئاسة السورية. كما جاءت المباغتة التركية بعد انتهاء قمة الغاز التي استضافتها طهران بما يمكن ان تعنيه من تراجع مكاسبها الاقليمية في مصادر الطاقة وأنابيبها الحيوية.
ولقد احسن اردوغان اختيار التوقيت، فالرجل خرج من مخاض الانتخابات التشريعية قويا، وشكل للتو حكومة جديدة، وخرج قبل ايام من قمة مجموعة العشرين التي استضافها وسمع خلالها اهانة روسية مباشرة عندما قال بوتين إن هناك دولا حاضرة في قمة انطاليا تشارك في دعم الارهاب وتمويله.
اردوغان، بما يمثله، يقول إنني ما زلت موجودا وهو يستشعر حصارا يطوق خياراته السورية. «المشروع الاخواني»، إن صح التعبير يقول ايضا ان دوري في المشهد الاقليمي المعاد تشكيله، قائم. صحيح ان كثيرين يستبعدون ان يلعب الروس والايرانيون بورقة حظر الغاز في وجه الاتراك، لما يمثله ذلك من مصالح مالية مشتركة لهذه الدول، الا ان ما اقدم عليه اردوغان بالامس يسبب من جهة اخرى حرجا لتيار ايراني ينادي باستمرار الرهان على «المشروع الاخواني» في المنطقة.
وسيذهب كثيرون الى القول إن الحلف الاقليمي ـ الدولي المعادي للدور الروسي في سوريا، قرر محاولة اذلال بوتين وكسر هجمته المشرقية، بعدما عطل ـ أو أحرج ـ الكثيرين من دعاة الحرب على الارهاب او الحرية للسورييين. وسيكون من مفارقات ما جرى بالامس محاولة تحديد مصير مسار عملية فيينا السورية، عندما تُسقط دولة كتركيا تقدم نفسها شريكا في مسار الحل السياسي، طائرة دولة تعتبر نفسها من فتح ابواب الحل النهائي لحرب الاعوام الخمسة.
ماذا سيفعل الايرانيون الآن؟ وإلى أي مدى سيتشجع القطريون والسعوديون في مغامرة التسليح للفصائل السورية؟ وهل يرد الروس بتسليح الاكراد وحزب العمال الكردستاني؟ ويبقى من اللافت للنظر صمت اسرائيل ازاء ما جرى، وما هو طبيعة دورها المخفي؟ وماذا عن حلف «الناتو» والمادة الخامسة التي سبق للاتراك ان توعدوا بتفعيل نصها الذي يعتبر ان أي هجوم أو عدوان مسلح على أي بلد من الحلف هو اعتداء على جميع بلدانه وعليه يدخل نظام الدفاع المشترك للحلف حيز التنفيذ.
وختاما، كيف ستكون وجهة الجيش السوري والحلفاء، في الحرب غدا؟
---
عن السفير
____________

تركيا بلا أنياب أطلسية أمام ثأر الدب الروسي
وسيم ابراهيم

لا سند «أطلسيا» لأنقرة، إذا ما قامت روسيا برد انتقامي لإسقاط تركيا طائرتها المقاتلة، طالما أنه رد مسقوف بحدود الفعل الذي استفزه، بغض النظر عن تضارب الشروحات حول ما حصل. الحادث ليس بلا سياق متكامل، خصوصاً بعد الصدام سابقاً حول قصف روسيا لمجموعات تركمانية معارضة في سوريا تعمل تحت مظلة أنقرة.
وسارعت تركيا إلى طلب اجتماع تشاوري، بناء على المادة الرابعة من ميثاق «الناتو»، لكن ليس في الأفق الحالي أي مجال لتفعيل المادة الخامسة المتعلقة بالدفاع المشترك. احتواء الأضرار هو المظلة التي خرجت تحتها مواقف اجتماع «الأطلسي»، على تنوعها، لكن مع تأكيد آخر بأن الوجود الروسي يغير قواعد النفوذ، وحتى تقييمات «الحلف» لحركة قواته.
وفي أجواء التأهب الأمني الأقصى المستمر في بلجيكا، خوفاً من هجمات ارهابية وشيكة، سارع سفراء «الحلف» لاجتماع دعت إليه أنقرة. إنها المرة الأولى منذ خمسينيات القرن الماضي التي تجتمع فيها دوله للتباحث حول استهداف مباشر للجيش الروسي.
الحلف الأطلسي تبنى، كما هو متوقع، رواية أنقرة، على أساس أن الطائرة الروسية قامت «بانتهاك المجال الجوي التركي»، مؤكداً وقوف دول الحلف «متضامنين مع تركيا ولدعم وحدة أراضيها». جاء هذا الموقف على لسان الأمين العام للحلف يانس شتولتنبرغ، بعد انتهاء الاجتماع التشاوري. شدد على أن التقييم الذي نقله لا يأتي فقط مما نقله الأتراك، بل من رصد دول أخرى في «الحلف» قدمت معطيات «متوافقة» مع الرواية التركية.
واعتبر شتولتنبرغ أن ارتفاع مخاطر الحوادث هو «مسؤولية روسية»، لافتاً إلى أنه عبر عن قلقه سابقاً «من الآثار المترتبة على الاعمال العسكرية للاتحاد الروسي بالقرب من حدود حلف الناتو»، قبل أن يشير مجدداً إلى المسؤولية الروسية لأن ما حدث «يسلط الضوء على أهمية وجود واحترام الترتيبات اللازمة لتجنب مثل هذه الحوادث في المستقبل».
بدا واضحاً حرص «الحلف»، في المقابل، على احتواء هذه الأزمة. قال أمينه العام إنه «يبارك» الاتصالات المباشرة التي جرت بين روسيا وتركيا، ويشجع على تكثيفها على أساس أن «الدعوة إلى الهدوء وعدم التصعيد»، الأمر الذي يجعل الديبلوماسية «مهمة لحل هذا الوضع».
في المقابل، اعتبر شتولتنبرغ أن الامكانية مفتوحة للتلاقي مع روسيا، على أساس أن «العدو المشترك يجب أن يكون داعش. المهم أن يركز الجميع جهودهم، بما في ذلك روسيا، على هزيمة داعش». لكن هذا التلاقي لا يزال يصطدم، برأيه، بـ «وجود أهداف مختلفة لموسكو»، لأن «معظم هجمات روسيا كانت على مناطق لا يسيطر عليها داعش».
على كل حال، العارفون بطبيعة سياسة الحلف الأطلسي يستبعدون تماماً انخراطه الآن. الخبير بروكس تغنر، المحلل في مجلة «جاينس ديفنس» الأميركية المختصة بالشؤون الدفاعية، قال لـ «السفير» إن «الناتو لن يذهب أبداً للتصعيد» حتى لو قامت روسيا برد فعل انتقامي «محدود»، قبل أن يضيف أنه «يجب أن يكون الرد الروسي واسعا وبمستوى تدميري كبير، وحينها يمكن للناتو أن يتدخل». لكن في الوقت ذاته، لن يظهر التقييم الحقيقي للعلن لأن «الناتو تاريخياً لا يقوم أبداً بإدانة فعل قامت به إحدى دوله» مهما كان.
الترجيح الذي يحمله تغنر هو يقظة الحلف التامة، مع وجود مواقف متنوعة داخله من وجود حساسية كبيرة تحت سطح التوتر الأخير بين تركيا وروسيا. يشير إلى أن الواقعة الماثلة هي دعم أنقرة الاحتضاني لمجموعات مسلحة تركمانية في سوريا، هي ذاتها المجموعات التي قصفتها روسيا مع إدانة تركيا الشديدة لذلك. يقول إن ذلك يمثل «حرباً بالوكالة سيكون الناتو حريصاً جداً ألا يتدخل فيها».
لكن هذه الحرب لم تعد بالوكالة الآن. ليست النظام ضد المعارضة، أو العكس، بعدما تم استهداف روسيا بشكل مباشر. يقول المحلل العسكري إن ما قامت به تركيا «ليس ذكياً جداً ولا حكيماً»، في أجواء التوتر الشديد القائمة، حتى لو كان ما فعلته تحت عنوان «الدفاع عن النفس» إذا تم اختراق أجوائها.
القضية، برأي محللين آخرين، تؤكد التحولات التي يشهدها الحلف الأطلسي، حتى لو لم تكن ردوده عليها واضحة الآن. هذا ما يؤكده أيان ليزر، مسؤول الشؤون الأمنية والخارجية في المؤسسة البحثية الأميركية «جيرمان مارشال فاوند». يقول خلال حديث مع «السفير» إن الناتو يغادر مرحلة «لم يكن لديه فيها تحديات أمنية عميقة عليه التعامل معها». لكن وجهة هذه المغادرة كما يقول تقود إلى باب واحد. الآن لدى «الأطلسي» تحديان، في الشرق حيث روسيا، والجنوب حيث «داعش»، لكن بحسب المحلل الأمني، فإن «تركيا باتت المكان حيث تجتمع كل هذه المخاطر معاً، بمعنى أن تركيا هي فعلا الدولة الأكثر انكشافا في الناتو الآن».
لكن الانكشاف الأكبر الآن يتعلق بمسار الحل السياسي السوري. الحادث الأخير جاء ليضيف تعقيدات جديدة، لمسار متعثر أصلاً. وزير الخارجية الالماني فرانك فالتر شتاينماير قال إن «كل شيء سيعتمد على طبيعة ردود الفعل بين روسيا وتركيا». لكنه لفت إلى أن التأزم بين دولتين محوريتين، على طرفي الخندق السوري، يعني أنه «قد تتم الاطاحة ببارقة الأمل التي عملنا للتوصل إليها». يقصد تحديداً مسار فيينا، الذي لطالما أشار له سابقاً بوصفه «بارقة أمل». الوزير الالماني تمنى بدوره احتواء التأزم، عبر تواصل مباشر بين الدولتين، على أمل أن «يسود التدبير والتعقّل».
لهجة الحرص الأطلسية جاءت بعبارات تؤكد، شيئاً فشيئاً، أن روسيا استطاعت فرض معادلة نفوذ في سوريا رغم مقاومة تركيا لها. سبق لقائد قوات «الحلف» في أوروبا التحذير من أن روسيا «تنشئ ثالث قبة لها في العالم فوق الساحل السوري». حتى قبل استكمال الجسر الجوي والبحري الروسي، وقبل إطلاق روسيا لعملياتها العسكرية، قال بريدلوف «إننا نرى هذه القدرات المتطورة جدا من الدفاع الجوي بدأت بالظهور (في سوريا)، نحن قلقون من أن (نظام تحصين) قبة A2/AD يتم إنشاؤها في شرق المتوسط».
في الأدبيات العسكرية، يشمل نظام التحصين A2/AD شقين: مكافحة الوصول إلى منطقة، والحرمان من احتلالها. الأول يهدف عملياً لجعل المسؤولين العسكريين أمام «حسابات مخاطر» عالية جداً إلى غير مقبولة، خلال تخطيطهم للتدخل في منطقة معينة. الشق الثاني، المتعلق بالحرمان، يهدف إلى تعقيد محاولات إقامة وجود فعّال عسكرياً، إضافة إلى مقاومته والحد من حرية العمل لتحقيق نتائج سريعة وفعالة.
هناك ما يخص ذلك في التقييم الذي حمله أمين عام الأطسي أمس. القدرات العسكرية الروسية فرضت تحديات معتبرة لقوات الأطلسي وحركة قواته، لا سيما الجيش التركي. الاستجابة لذلك، كما أشار شتولتنبرغ، هي النقاش الجاري الآن «لتحسين الاجراءات المتعلقة بالتنبؤ وتقليل المخاطر لتجنب هذه الحوادث» على اختلافها.
هذه القبة، لتحصين منطقة جغرافية، أتمّت موسكو إنشاءها وتشغيلها في موقعين. الأول والأكبر في كالينينغراد، الجيب الروسي المنفصل جغرافياً على بحر البلطيق، بين ليتوانيا وبولندا. قبة التحصين هناك تشمل مضادات سفن ومضادات طيران، ويعتبرها الأطلسي «مشكلة متنامية» لحركة قواته. القبة الثانية «طورتها» روسيا على البحر الأسود، في شبه جزيرة القرم بعد ضمها، حيث يقول قائد قوات الأطلسي في أوروبا أن «نطاق تغطية صواريخ كروز يغطي كامل البحر الأسود، وصواريخ الدفاع الجوي تغطي 40 إلى 50 في المئة منه».


RS

About RS

هيئة التحرير

Previous
Next Post
ليست هناك تعليقات:
Write comments

شكرا

ابحث عن مقالات مثل التي قرأت

Advertise Here

المقالات الأكثر قراءة

_____________________________________________________
حقوق التأليف والنشر © مراجعات. جميع الحقوق محفوظة.