‏إظهار الرسائل ذات التسميات السعودية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السعودية. إظهار كافة الرسائل

8 أغسطس 2017

مراجعات سياسية: هل تفكر السعودية بالنزول عن الشجرة؟

    8/08/2017 01:40:00 م   No comments
قاسم عز الدين

مؤشرات عديدة تدل على أن السعودية باتت مقتنعة بأن مراهناتها في المنطقة تصطدم بحائط مسدود. لكنها ربما تأمل أن تتجاوز أزماتها بهدوء من دون أن يظهر عليها تراجع يقلّل من مكانتها التي تتصورها لنفسها. وهو ما ينذر بانتقال السعودية من فاعل في الأزمات إلى شلل سياسي.
 
المصافحة باليد بين عادل الجبير ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، ربما أرادها الجبير مصحوبة بابتسامة على هامش مؤتمر "آسيان" في تركيا للإشارة إلى متغيّر سياسي على الرغم من اللقاء العابر. فالجبير كان يبدي في مؤتمرات سابقة عدائية ناتئة تتخطى الدماثة الدبلوماسية على الرغم من أن إيران كانت تحاول باستمرار فتح كوّة في جدار الدبلوماسية السعودية المصفّح بالفولاذ ظنّاً منها أن العدائية البارزة تدلّ على تصميم يشدّ عصب المؤيدين والمترددين.

هذه المصافحة لم تكن بيضة ديك على ما تتصف به أحداث الصدفة من خارج السياق ومن دون مقدمات ونتائج. فقد سبقتها دعوة رسمية وجهتها السعودية إلى زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر لبحث توطيد التعاون بين الرياض وبغداد بحسب البيان الرسمي وهو ما قام به رئيس الوزراء حيدر العبادي وفق البيانات الرسمية نفسها. لكن دعوة السيد مقتدى الصدر جاءت إثر قطيعة استمرت 11 عاماً ما يشير إلى أن السعودية تسعى إلى وصل ما تقطّع بينها وبين المنطقة عبر طرق لا تدل على تراجع مفاجىء في سياستها الإقليمية. فالتيار الصدري يتميّز بفكر نقدي تجاه معظم سياسات دول المنطقة، ويتميّز بنقد أشدّ تجاه السياسة السعودية في المنطقة وبعزيمة كبيرة لمواجهة استراتيجية الولايات المتحدة راعية السعودية.

الإعلام السعودي يحاول تغطية هذه الانعطافة بتضخيم ما يظنّه "خلافات عميقة" بين التيار الصدري والتيارات السياسية في المنطقة التي تواجه الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية. لكن التيار الصدري الذي يدعو إلى مواجهة أميركا وإسرائيل يفترق عن السعودية في الأسس ولا يتقارب معها إلاً في حدود تقاربها مع دعوته لوقف الحروب. ففي هذا السياق تتخلى السعودية عن صلب سياسة "من ليس معنا فهو ضدنا"، معربة بمجرد اللقاء مع السيد مقتدى الصدر عن ميل لتغيير سياستها الإقليمية وعن استعداد للبحث في الكفّ عن إذكاء نار الحروب. وربما تقصد السعودية من وراء تغيير السلوك الصلف محاولة تحسّس حرارة المناخ الإقليمي من دون تنازلات سياسية ملموسة.

في مأزق الحرب على اليمن، تأمل السعودية أن تنجح بنقل المفاوضات المرتقبة بين الأطراف اليمنية من سلطنة عمان إلى الأردن بعد أن اشتدت الضغوط على السعودية لوقف الدمار وجرائم الإبادة الجماعية بالجوع والكوليرا. وفي هذا السبيل يلتقي عبد الملك المخلافي مع رئيس الحكومة الأردنية هاني الملقى ووزير الخارجية أيمن الصفدي وقت زيارة اسماعيل ولد الشيخ أحمد إلى الأردن. لكن الأطراف المواجهة للتحالف السعودي ترفض التفاوض في الأردن وتضغط بذلك على ولد الشيخ وعلى المسؤولين الأردنيين للتراجع عن هذا الخيار.

في مأزق التحالف الأميركي في سوريا، تحاول السعودية تجديد شباب هيئة التفاوض في الدعوة إلى لقاء في الرياض مع منصات موسكو والقاهرة. لكن المنصات ترفض اللقاء في الرياض وتصر على اللقاء في جنيف. فهيئة التفاوض التي أقالت خالد المحاميد لأنه أفصح عن أن "المعارضة أصبحت تعتمد على الدور العربي وخاصة المصري في حل القضية السورية"، تبحث عن تعويم نفسها بين معارضات أكثر واقعية في النظر إلى موازين القوى السورية في تسجيل مواقف الاعتراض على الأقل. فهي إلى جانب الراعي السعودي الذي يعلن عن "موقف المملكة الثابت" في رفض بقاء الرئيس السوري بحسب بيان الخارجية السعودية، لم يعد لها دور على طاولة المفاوضات بعد أن انتهت اللعبة وبعد تراجع ماكرون وأوروبا عن السياسة السابقة.

الخيارات والمراهنات السعودية تجاوزتها الأحداث الميدانية في سوريا والعراق واليمن، وفاتها القطار السياسي الإقليمي والدولي. ولا ريب في أن السعودية تشعر بما يفقأ العين، وهي تحاول أن تتغيّر بهدوء طويل أملاً بحفظ ماء الوجه حرصاً على ادعاء مزعوم بالهيبة والمكانة في قيادة تحالف مقابل محور. لكنها في هذا الادعاء تهرب من أزمة إقليمية إلى مأزق في عقر دارها كما تدل محاولة تطويع قطر. ففي بعض الأحيان يتوقف بقاء الدول على حكمة اعترافها بهزائمها.
_____________
المصدر: الميادين نت


17 يوليو 2017

أنقرة وواشنطن تُسرجان «الحصان الصيني الأسود»؟ | «مجاهدو» تركستان: «دواعش سوريا الجدد»... الجيش وحلفاؤه يقودون «داعش» نحو «المعركة الأخيرة»

    7/17/2017 07:41:00 ص   No comments
«داعش» الجديدة... صينية!
صهيب عنجريني

تنظيم «داعش» آخذٌ بالانكماش. «جبهة النصرة» وتنظيمها الأم (القاعدة) خسرا ويخسران الكثير من كوادرهما، سواء في اقتتالات داخليّة، أو عبر سلسلة استهدافات دقيقة. لكنّ ثمة تنظيماً مهماً وقوياً لم يطاوله «النزف الجهادي»، بل هو آخذ في تنمية قدراته وتوسيعها، استعداداً لمهمة قادمة خارج سوريا ربّما. ما جديد «الحزب الإسلامي التركستاني»؟ ولماذا حضر على طاولة البحث الأميركي ــ التركي؟



في كتابه «دعوة المقاومة الإسلامية العالمية»، يتحدث المنظّر الجهادي الشهير أبو مصعب السوري (مصطفى ست مريم) عن ولادة «الحزب الإسلامي التركستاني» الذي كان شاهداً على نشأته وصديقاً لمؤسسه (حسن مخدوم الشهير بأبو محمد التركستاني). يشير أبو مصعب إلى نقطة غاية في الأهميّة، مفادها أنّ «أبو محمد التركستاني كان يعوّل على دعمٍ من الولايات المتحدة تقدمه لحركته في إطار برنامج سري أقرّه الكونغرس عام 1995 لتفكيك الصين باستخدام النزعات العرقيّة والدينيّة فيها».

ورغم أن الولايات المتحدة صنّفت لاحقاً «التركستاني» من بين التنظيمات الإرهابيّة (عام 2009)، غيرَ أنّ هذا التصنيف لا يبدو حاجزاً حقيقيّاً يحول بينها وبين دعمه، سواء عبر إحياء البرنامج المذكور، أو من خلال قنوات أخرى «وسيطة». وتؤكّد مصادر تركيّة معارضة لـ«الأخبار» تحصيلها معلومات تفيد بأنّ «ملف الأويغور جرت مناقشته بين أنقرة وواشنطن عبر القنوات الأمنيّة، من بين ملفات أخرى متشعبة». وخلافاً لما توحي به المجريات السياسيّة المُعلنة، فإنّ التنسيق الأمني بين أنقرة وواشنطن لم يتأثّر على الإطلاق في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب. وعلى العكس من ذلك، فقد قرّرت واشنطن في أيار الماضي «توسيع التعاون الاستخباري مع تركيا» وفقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية .

مسار تصاعدي

يُعد «الحزب الإسلامي التركستاني» اليوم أقوى واجهة «جهاديّة» تتبنّى قضيّة «إقليم تركستان» بعدما تصدرت الواجهة سابقاً «حركة تركستان الشرقيّة». والإقليم المذكور هو إقليم «شينغ يانغ» الصيني، وسكّانه من أقليّة الأويغور التي تدين بالإسلام. وينادي «الحزب التركستاني» باستقلال الإقليم عن الصين ويعتبره قضيّته المركزيّة. منذ ظهوره في سوريا، لفت «التركستاني» الأنظار بسبب تمتّعه بمزايا كثيرة تمنحه اختلافاً عن سواه من الحركات «الجهاديّة» المنخرطة في الحرب، ويأتي التنظيم العالي على رأس تلك المزايا واحداةً من أبرز المجموعات التي نُظّمت بطريقة تضمن لها استدامةً ليست الحرب السوريّة غايةً لها، بل وسيلة. وإذا كانت أفغانستان قد شهدت ولادة «الحركة الجهاديّة التركستانيّة» قبل عقود، فإنّ سوريا كانت مكاناً لهيكلة هذه الحركة، وتأطيرها، ومنح منتسبيها مسرحاً ملائماً للتدريب في معسكرات متنوّعة الاختصاصات، علاوةً على توفير بيئة قتاليّة حقيقيّة يخوض فيها المسلّحون حروباً تكسبهم خبراتٍ عاليّة في التعامل مع أحدث صنوف الأسلحة والتكتيكات الهجوميّة المختلفة 
. وقد رُصد في خلال سنوات الحرب تصاعدٌ في نوعيّة الأسلحة التي وصلت إلى أيدي مقاتلي الأويغور، وبينما كان السلاح الأقوى في يد «الحزب الإسلامي» خلال معارك مطار أبو الضهور مثلاً (2015) هو التفجيرات الانتحارية، فقد ظهرت في حوزته لاحقاً أسلحة نوعيّة مثل صواريخ ميلان الفرنسيّة وتاو الأميركية.

«كتيبة أشبال تركستان»

في خلال الأشهر الثمانية الأخيرة، لاحظت مصادر «جهاديّة» زيادة في استحداث معسكرات تدريب الأطفال «الجهاديين» الأويغور تحت اسم «معسكرات أشبال تركستان الإسلاميّة». عرّاب المعسكرات هو الشيخ السلفي السعودي عبدالله المحيسني الذي يتنقّل بحرية بين المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة السورية وتركيا. ويأتي هذا النشاط بوصفه جزءاً من سلسلة معسكرات مماثلة سبق للمحيسني أن أنشأها، لكن الجديد هو تخصيصها لتدريب أطفال عرق بعينه. تتوزّع معسكرات «أشبال تركستان» بين جسر الشغور، والزنبقي، وإحسم، وتستقطب أطفال العائلات الأويغورية المنتشرة هناك من عمر 8 سنوات وما فوق. وينقسم الإعداد الذي يخضع له هؤلاء إلى قسمين: شرعي، وعسكري. ويقوم الإعداد الشرعي على غرس فكرة «الجهاد» في نفوس الأطفال، وتنمية الحس العقائدي لديهم يشرف عليها المحيسني شخصياً بمساعدة «دعاة» أويغور يتقنون اللغة العربية.
أنشأت أجهزة الاستخبارات التركيّة «مراكز استقطاب وإعادة تأهيل للجهاديين»

كما يهتم «الإعداد الشرعي» بإحياء الشعور العرقي لدى الأطفال عبر إفراد محاضرات خاصة لقضية «تركستان الإسلاميّة» وخطط تحريرها من الصين. ولا تستنثي هذه الدورات الفتيات، بل تخصص لهنّ حلقات منفصلة عن الذكور، وتوفر لهنّ علاوة على الإعداد الشرعي دورات تعليم للسلاح الفردي الخفيف. أما الذكور، فيخضعون لدوراتٍ قتاليّة بمستويات متقدمة تبعاً لأعمارهم على مختلف فنون القتال وصنوف الأسلحة. وخلال شهر آذار الماضي، تمّ «تخريج» دفعة من الفتيان، واستحدثت لهم كتيبة حملت اسم «كتيبة أشبال تركستان الإسلاميّة» بإشراف عسكري مباشر من «الحزب الإسلامي التركستاني». وحتى الآن، لم يُسجّل أي نشاط قتالي لهذه الكتيبة التي يُقدّر عدد أفرادها بـ 400 طفل تراوح أعمارهم بين 10 و14 عاماً.

من «داعش» إلى «الحزب»

عكس معظم المجموعات المسلّحة، سارع «داعش» إلى استقطاب المقاتلين الأويغور. وتجاوز عقبة اللغة بالاستفادة من وجود عدد كبير من القياديين التركمان في صفوفه. كانت الدعاية التي أتقن «داعش» ترويجها بخصوص «عولمة الجهاد» عاملاً مؤثّراً في نجاحه باستقطاب المقاتلين غير العرب، ومن بينهم الأويغور. وتقوم هذه الدعاية على فكرة أنّ «الجهاد واجب على كل مسلم، من دون أي اعتبار للقوميّة». وعزّز وجود بعض القياديين من غير العرب في صفوف التنظيم من فعالية هذه الفكرة. كذلك، لعبت سيطرة التنظيم على مناطق واسعة من الحدود السورية التركيّة دوراً فاعلاً في استقطابه للمقاتلين الأويغور الذين وفد معظمهم عبر الأراضي التركيّة، وتحوّلت مدينة تل أبيض (ريف الرقة الشمالي) خلال عام 2014 إلى نقطة تجمّع أولى لـ«أويغور داعش». أقام التنظيم في المدينة معسكرات خاصّة بالأويغور كرّر فيها تجربة أفغانستان، حيث ركّز على «الجهاديين الفتيان»، قبل أن يوزّع الدفعات التي تُنهي تدريبها على «الولايات» التابعة له في كل من سوريا والعراق. لكنّ العام الأخير شهد حالات تسرّب متتالية للأويغور من صفوف «داعش» والتحاقهم بـ«التركستاني»، بالتناسب مع ازدياد وتيرة الحرب على «داعش». وعلى وقع الانكسارات المتتالية للتنظيم في كل من العراق وسوريا، قرّر كثير من الجهاديين الأجانب أنفسهم مضطرّين إلى البحث عن آفاق أخرى لـ«جهادهم». وفيما اختارت نسبةٌ قليلةٌ من هؤلاء الانسحاب من المشهد الجهادي مؤقّتاً، مال معظمهم إلى التوجّه نحو تنظيمات بديلة لا تعاني ما يعانيه «داعش». بدأت هذه الحركة عشوائيّاً أوّل الأمر، لكنّ أجهزة الاستخبارات الداعمة لأنشطة الجهاديين سرعان ما تنبّهت إليها، وبدأت في توجيهها واستغلالها. وتأتي على رأس تلك الأجهزة الاستخبارات التركيّة التي أنشأت «مراكز استقطاب وإعادة تأهيل» داخل الأراضي السوريّة وفي بعض المدن الحدوديّة التركيّة. كانت الاستخبارات الأميركيّة بدورها قد أنشأت برنامجاً سرّياً متفرّعاً عن برامج «دعم المعارضة المعتدلة» مهمّته الأساسيّة العمل على تشجيع «الجهاديين» المنضوين في صفوف «داعش» على الانشقاق عن التنظيم بصورة منظّمة تضمن استقطاب المنشقّين، لا عشوائيّة تؤدّي إلى تسربهم في اتجاهات شتّى. وُضع البرنامج قيد التنفيذ في مطلع عام 2016 بتنسيق كامل بين الاستخبارات الأميركيّة ونظيرتها التركيّة، واختيرت مجموعات عدّة من «المعارضة المفحوصة» للقيام بمحاولات الاستقطاب مثل: «فرقة الحمزة»، «فيلق الشام» و«جبهة الشام» . عملت الاستخبارات التركيّة على تجيير هذا البرنامج لخدمة مشروعها في دعم «الحزب الإسلامي التركستاني» الذي تتبناه بشكل كامل. حظي الأويغور المنشقون عن «داعش» بأولوية لدى أنقرة، بحيث يتم فرز هؤلاء عن سواهم من المنشقيّن، وإخضاعهم لجلسات طويلة تعمل على تنمية الشعور القومي لديهم، وتركّز على ضرورة «تجيير جهادهم لخدمة قضيّة تركستان المسلمة، بدلاً من خدمة أجندة تنظيم مثل داعش يتعامل معهم كأدوات فحسب، ولا يوليهم حتى مناصب قياديّة». ووفقاً لتقديرات مصادر سوريّة من داخل المجموعات المسلّحة التي كُلفت بمهمات الاستقطاب، فإن عدد الأويغور الذين انشقّوا عن «داعش» بلغ منذ منتصف العام الماضي حتى شباط قرابة 400 منشق، وجدوا طريقهم إلى صفوف «الحزب الإسلامي». كان انسحاب تنظيم «داعش» من مدينة الباب السوريّة (شباط 2017) محطّة مهمّة ولافتة في سجل «الحزب الإسلامي التركستاني»، فقد أفلح الأخير في تسهيل عقد صفقة بين «درع الفرات» (ومن خلفه أنقرة) وبين «داعش» نصّت بنودها على انسحاب مقاتلي «داعش» الأجانب من الباب، ومنح مقاتليه من أبناء المنطقة أماناً لأنفسهم وعائلاتهم وممتلكاتهم، كما نصّت على بند خاص بمقاتلي «داعش» من الأويغور الموجودين في منطقة الباب، يتيح لهم الاختيار بين الانسحاب مع أقرانهم، أو الانتقال إلى المراكز المؤقتة تمهيداً لانضوائهم في صفوف «الحزب الإسلامي». ووفقاً لمصادر سوريّة من فصائل «درع الفرات»، فإن 72 مقاتلاً أويغوريّاً كانوا في صفوف «داعش» في الباب اختاروا الانتقال إلى المراكز المؤقتة، في مقابل 11 مقاتلاً فضلوا البقاء في صفوف «داعش» والانسحاب معه نحو ريف حلب الجنوبي الشرقي، ومنه نحو الطبقة ثم الرقّة. أما الأويغور الذين لم ينشقوا عن «داعش» فقد انقسموا إلى قسمين: قسم لا يزال حاضراً في صفوف التنظيم ومعاركه بين سوريا والعراق، ويتمركز جزء كبير من هؤلاء في محافظة دير الزور، وتحديداً في مدينة البوكمال الحدوديّة. بينما وجد القسم الآخر طرقاً للعودة إلى جبال أفغانستان بحثاً عن ملاذٍ آمنٍ في كنف «حركة طالبان» التي وُلدت الحركة «الجهادية» التركستانيّة بفضلها.

أويغور «القاعدة»

ثمّة مئات من المقاتلين الأويغور ينضوون في صفوف «القاعدة». بعضهم يقاتل تحت راية «جبهة النصرة» بشكل مباشر، وبعضهم يرتبط بها من خلال «لواء المهاجرين». وهو مجموعة يدين مقاتلوها بالبيعة لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، وتعمل تحت إشراف «النصرة»، ويضم إضافة إلى التركستان مقاتلين طاجيك وعدداً قليلاً من القوقازيين. يتمركز هذا «اللواء» في جبل الزاوية في محافظة إدلب وتسكن عائلات مقاتليه في بعض قرى المنطقة، بينما يرابط المقاتلون في النقاط القتالية، ويحصلون على إجازات لزيارة عائلاتهم دوريّاً، بواقع زيارة واحدة شهريّاً. ومن الملاحظ أنّ القرى التي تسكنها عائلات أويغور «النصرة» هي ذاتها التي تسكنها عائلات «الحزب الإسلامي التركستاني». وبشكل عام، فإنّ العلاقة بين أويغور القاعدة وأويغور الحزب هي علاقة ممتازة. ولا يعدو انقسام الأويغور بين الطرفين كونه مظهراً «تنظيمياً» بحتاً، وسببه أن أويغور القاعدة كانوا قد وفدوا إلى سوريا منذ بدايات الظهور «الجهادي» فيها وفي وقت سابق لظهور «الحزب الإسلامي التركستاني». وثمة ملاحظة جديرة بالانتباه، مفادها أنّ جزءاً كبيراً من أويغور القاعدة ليسوا متزوجين، أو تزوجوا بفتيات من غير جلدتهم (سوريات، أفغانيات). وتجدر الإشارة إلى أن المقاتلين الأويغور، سواء المنضوين في صفوف «لواء المهاجرين/ النصرة» أو صفوف «الحزب الإسلامي» يحظون بثقة وتقدير كبيرين لدى عدد من أبرز مرجعيّات القاعدة مثل الأردني – الفلسطيني أبو محمد المقدسي (عصام طاهر البرقاوي)، والقيادي أبو الخير المصري (عبدالله رجب عبد الرحمن) الذي كان حتى مقتله نهاية شباط الماضي الرجل الثاني لتنظيم «القاعدة» في سوريا، وقد خصّه «الحزب الإسلامي» ببيان ينعاه فيه ويعزي باستشهاده. خلافاً لما يظنّه البعض، لا يرتبط «التركستاني» ببيعة لتنظيم «القاعدة»، لكنّ العلاقة بين الطرفين قويّة ووطيدة وهي علاقة قائمة على مبدأ «أخوّة الجهاد»، وعلى نحو مماثل توطدت العلاقة بين «التركستاني» و«جبهة النصرة». من جهة أخرى، يدين «التركستاني» ببيعة لحركة «طالبان» تعود إلى زمن وفود مؤسس «التركستاني» على الملا محمد عمر في أفغانستان (أواخر تسعينيات القرن الماضي).

«تمدّد» في إدلب

بدأ «الحزب الإسلامي التركستاني» حصاد ثمار التوتر الذي ساد مناطق عدة من ريف إدلب في خلال الأيام الأخيرة. وعلى الرغم من أن «التركستاني» لم يكن طرفاً في اندلاع شرارة التوتر التي اقتصرت أول الأمر على مناوشات بين «حركة أحرار الشام» و«هيئة تحرير الشام/ النصرة»، غير أنّ تطورات الأمور تبدو ذاهبة نحو مزيد من «التمدد» لمناطق سيطرة «التركستاني». وأفادت مصادر محليّة عن دخول الأخير إلى مدينة جسر الشغور (ريف إدلب الغربي)، علاوة على أنباء عن تسييره أرتالاً نحو مدينة أريحا. وكانت مدينة جسر الشغور قد شهدت توتراً بين كل من «التركستاني» و«حركة أحرار الشام» بعد اعتقال الأخيرة عناصر من «الحزب». ووصفت مصادر «جهادية» التطورات الجارية بأنها عملية تبادل مواقع بين «التركستاني» و«النصرة» تهدف إلى منح الأخيرة فرصة للتفرغ لجولة جديدة من فصول سباق النفوذ المستمر بينها وبين «أحرار الشام».

__________

الرقّة ما بعد «داعش»: فصل جديد من فصول «الفوضى الخلاقة»؟
من المسلَّم به أنّ اندحار «داعش» من الرقة بات مسألة وقت، فماذا عن اليوم التالي؟ تبدو إجابة هذا السؤال كفيلة بتقديم مؤشرات تتعلق بملف الشمال السوري برمّته انطلاقاً من الرقة. وتتضافر معطيات عدّة في ترجيح كفة «الفوضى الخلاقة» عنواناً لمرحلة قادمة تبدأ غداةَ إعلان «تقويض عاصمة الخلافة» ويصعب التنبؤ بخواتيمها، أو بانعكاساتها على مختلف الأطراف، وعلى رأسهم «أبطال المعركة»!
      
في السادس من حزيران أعلنت «قوّات سوريا الديمقراطية» انطلاق معركة «تحرير مدينة الرقة». مع انقضاء أسبوع من العملية، كانت «قسد» قد بسطت سيطرتها على أجزاء من المدينة، وشارفت على عزل قوات «داعش» في مركزها عن تجمعاته في أطرافها وعلى وجه الخصوص في مقر الفرقة 17.

قبل إطلاق «المعركة الكبرى» بسبعة أشهر، كانت «قسد» قد أعلنت بدء عملية «غضب الفرات»، التسمية التي اعتُمدت لمعارك محافظة الرقة بأكملها. لكنّ ذلك لا يعني أن الأشهُر السبعة كانت بأكملها أشهُر عمليات عسكريّة، إذ انقسمت العمليات إلى جولات فصلت بينها فترات ركود ميدانيّة، وفقاً لإيقاع فرضته أحداث سياسيّة حيناً (مثل الانتخابات الأميركية)، وتطورات خفيّة وراء الأبواب على خطوط مختلفة من موسكو إلى أنقرة وواشنطن وسواها. ومن المتوقع أن «يشهد النصف الثاني من حزيران إعلان السيطرة على المدينة بشكل كامل، والاستمرار في ملاحقة فلول التنظيم في أريافها»، وفقاً لثلاثة مصادر كردية بارزة تحدثت إليها «الأخبار» كلّاً على حدة. ويؤكد أحد المصادر أنّ «المعارك التي تخوضها (قوات سوريا الديمقراطيّة) عنيفة، لكنّها أشدّ ضراوة من معارك سابقة خضناها ضد (داعش)». تتشارك المصادر الثلاثة التكتّم ذاته حول «الخطوة التالية» بعد الرقّة، والأرجح أنّ التحفظ حول الخوض في هذا الحديث نابعٌ من أن الخطوة ليست قراراً في يد «قسد» التي تخوض معاركها بوصفها الذراع البرية لـ«التحالف الدولي». ويبدو شبه محسوم أنّ الخريطة السورية بعد الرقة ستشير إلى دير الزور بوصفها «المعقل الأخير للتنظيم»، علاوة على احتفاظه بمناطق سيطرة في أجزاء من ريف الحسكة. أما الجيوب الباقية في أرياف حمص وحماه وحلب، فستكون على الأرجح قد صُفّيت على يد الجيش السوري وحلفائه، أو عُزلت في انتظار قطافها. ويخوض الجيش وحلفاؤه معارك متسارعة الخطى على امتداد البادية السورية تهدف إلى توجيه «داعش» نحو «المعركة الأخيرة» في دير الزور. ويحرص الجيش في خلال عملياته على محاذاة مناطق سيطرة «قسد» في الرقة بأكبر مساحات ممكنة، على نحو يُذكّر بعملياته السريعة التي واكبت معركة الباب التي شنّتها القوات التركية الغازية في إطار عملية «درع الفرات». وباستثناء حوادث الحسكة الشهيرة، فإنّ خطوط التماس بين الجيش السوري و«قسد» لم تتحوّل مسرحاً لمعارك بينهما. وعلى العكس من ذلك، تشارك الطرفان في رسم مسارات المعارك ضد أطراف أخرى (كما حصل في ريف حلب الشمالي، وفي مدينة حلب ذاتها). كذلك شكّلت منبج ساحة لاتفاق أتاح تسلم الجيش السوري مناطق من ريفها الشرقي ليتحول بمشاركة القوات الروسية إلى ما يشبه «قوات فصل» بين «قسد» و«درع الفرات». ولن يكون مستغرباً أن ينخرط الجيش و«قسد» في عمليات تنسيق لمعارك أرياف دير الزور، ولا سيّما ريفها الغربي المتصل بريف الرقة الشرقي. في المقابل، من المنتظر أن يشكل إعلان نهاية معركة الرقة مقدمة لمعركة إعلامية جديدة تشنها أنقرة لمطالبة بانسحاب «قسد» وتسليم «المدينة لأبنائها». وكما أن الوجهة العسكرية التالية لـ«قسد» ليست قراراً عائداً لها، تبدو خطوتها التالية لتحرير الرقة قراراً أكبر من قدرتها على الانفراد به. وتحضر تداخلات كثيرة في ما يخص «رقة ما بعد داعش»، من بينها الطبيعة العشائرية للمنطقة، وما يعنيه ذلك من تأثيرات محتملة لكل من السعودية والإمارات. ورغم أن الأخيرتين تتشاركان «استراتيجيات» واحدة في ملف إقليمي بارز هو الكباش مع قطر (حليف تركيا القريب)، غير أنّ الأمر يختلف لدى دخول البعد العشائري على الخط، كما يختلف في ما يخص العلاقة مع تركيا نفسها.

وفيما عرفت العلاقات السعودية التركية مدّاً وجزراً و«تحالفات مصالح» في الملف السوري تحديداً، فإن العلاقات الإماراتية التركية تنحو منحى أقرب إلى «العداء الوجودي». وكان هذا التفصيل سبباً وراء دخول الإمارات على خط تمويل «قسد»، الأمر الذي تحول بدوره إلى مناسبة لسباق على النفوذ بين الإمارات والسعودية. وإذا أضيفت إلى ذلك إمكانية تأثير الدوحة في المكون العشائري أيضاً، ازدادت التعقيدات أكثر فأكثر. إلا أن كل ما تقدّم يظل مجرّد تأثيرات جانبيّة تدور في فلك الهيمنة الأميركية على قرارات «قسد» وتحركاتها. وحتى الآن تبدو واشنطن حريصةً على تمكين «قسد» من بسط السيطرة على أكبر مساحات ممكنة من الجغرافيا السورية، ولا سيما أن تلك المساحات تحولت إلى مناطق نفوذ أميركي مؤثرة في موازين المنطقة بأكملها وبما يتجاوز الساحة السورية. ولا تمكن قراءة النهج الأميركي المتوقع في ما يخصّ «رقة ما بعد داعش» في معزل عن مقدمات معركة الرقة والترتيبات التي سبقتها. وسيكون لزاماً انتظار تسريبات من هنا وهناك أو رفع غطاء رسمي عن وثائق ما لفهم ما جرى في الكواليس الأمنية والسياسية في خلال الأشهر السبعة منذ بدء «غضب الفرات». وحتى ذلك الوقت، يمكن عدّ «ترتيبات معركة الرقّة» جزءاً من أسرار الحرب السوريّة الكثيرة، ولا سيّما ما توافق عليه رؤساء أركان الولايات المتحدة وروسيا وتركيّا غداةَ اجتماعهم الشهير في أنطاليا (7 آذار 2017). الثابتُ أنّ الضجيج الذي طالما أثارته أنقرة حول معركة الرقة قد انخفض كثيراً منذ ذلك الوقت، وأن أي محاولات تركية حقيقية لـ«تعكير» العمليّة لم تُسجّل، بما في ذلك محاولات «تغذية داعش» وإعانته على خوض المعركة (رغم أنه دور أجاده الأتراك طويلاً).
ومن غير الواضح ما إذا كان التحول في الأداء التركي نابعاً من عجزٍ وتسليم بالأمر الواقع، أو أنه جاء على خلفيّة «ثمنٍ ما» ضمنت أنقرة الحصول عليه من الحليف الأميركي. وكانت الإدارة الأميركية السابقة قد أدارت ملف الصراع بين أنقرة والأكراد بصورة توحي بحرصها على تنامي مخاوف كلّ من الطرفين، وهو ما واصلته الإدارة الحاليّة مع ميلٍ ظاهري نحو الأكراد. ومثّل شهر أيّار محطّة بارزة في هذا الإطار، حيث شهد إقرار واشنطن «تزويد المقاتلين الأكراد في سوريا بالسلاح». وأُعلن القرار قبل أيام من أول لقاء جمع بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب، والتركي رجب طيب أردوغان لـ«بحث العلاقات الثنائية ومكافحة الإرهاب بكل أشكاله» (عُقد اللقاء في 16 أيار، وكان مُبرمجاً منذ 21 نيسان). ثمّة تفصيل بارزٌ شهده شهر أيار أيضاً في هذا الإطار، لكنه لم ينل نصيباً وافياً من الضوء، فبالتزامن مع الحدثين المذكورين قررت الولايات المتحدة «توسيع التعاون الاستخباراتي مع تركيا». وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» قد نقلت في الثاني عشر من أيار عن مسؤولين أميركيين قولهم إنّ «تعزيز جهود المخابرات المشتركة مع تركيا يأتي لمساعدتها على استهداف الإرهابيين في المنطقة بنحو أفضل، وفي محاولة لتخفيف القلق التركي إزاء تسليح الأكراد في سوريا». ولم تقتصر تلك الأنباء على أحاديث فضفاضة، بل تضمّنت معلومات لافتة عن قيام واشنطن بمضاعفة قدرات «مركز الاندماج الاستخباراتي في أنقرة»، و«إضافة مزيد من المساعدات الاستخبارية التي تقدمها (لتركيا) مثل الطائرات من دون طيار». ووفقاً لما نقلته الصحيفة عن المسؤولين الأميركيين، فإن الخطوات تأتي بغية «مساعدة المسؤولين الأتراك على تحديد حزب العمال الكردستاني وتعقّبه بنحو أفضل».

___________

الجيش وحلفاؤه يقودون «داعش» نحو «المعركة الأخيرة»
  • لقراءة مسارات معارك تحرير البادية السورية تلزم خمس خرائط لخمس محافظات. يتقدم الجيش السوري وحلفاؤه على محاور عدة، متباعدة جغرافية، مترابطة استراتيجياً. المعارك الدائرة في أرياف حمص وحماة وحلب والرقة تندرج جميعاً في إطار معارك تحرير البادية، وتضع الجيش في سباق مع الزمن نحو «المعركة الأخيرة» ضد التنظيم المتطرف، والتي تبدو دير الزور مسرحها الحتمي
  
       
منذ انطلاقتها، بدا واضحاً أن عمليّات تحرير البادية السوريّة من تنظيم «داعش» تنحو نحواً مختلفاً، لا عن عمليات الجيش وحلفائه السابقة فحسب، بل عن كل ما شهدته الجغرافيا السوريّة من معارك خلال السنوات الماضية. وحتى الأمس القريب كانت معظم المعارك تقوم على تخيّر أهداف محصورة في بقعٍ جغرافيّة محدّدة تضيقُ لتكون مجموعة قرى وبلدات أحياناً، وتتسع لتكون مدينةً أو قطاعاً جغرافيّاً من محافظة في أحيانٍ أقل.

أما معارك تحرير البادية الأخيرة فقد أخذت الخطط العسكريّة في حسبانها تسييرها في اتجاهات ومسارات شتّى تتوّزع بين محافظات عدّة وبتزامن مدروس. تستند الخطط في الدرجة الأولى إلى تكتيك «تشتيت الجبهات» الذي سبق للجيش وحلفائه أن اعتمدوه في مناسبتين سابقتين: غداة الدخول العسكري الروسي المباشر نهاية أيلول 2015، وفي الشهور الأخيرة من معارك ريف حلب وصولاً إلى خواتيمها. ورغم أن معارك 2015 قد شملت مساحات واسعة متوزعةً على غير محافظة في وقت واحد، غير أن الهدف في تلك المرحلة كان توسيع هوامش الأمان حول مناطق سيطرة الدولة السورية وضرب البنى التحتيّة للمجموعات المسلّحة تمهيداً لتثبيت خطوط سيطرة جديدة، فيما تختلف أهداف عمليات البادية الراهنة جذريّاً، من حيث كونها تهدف إلى التقدم البري وبسط النفوذ على مساحات شاسعة من الأراضي، وربط مدن ومحافظات بعضها ببعض، لتتحول بالتالي المساحات التي لطالما وُصفت بأنها «مجرّد مناطق شاسعة لا تمثل ثقلاً استراتيجياً» إلى مفاصل شديدة الأهمية في موازين الحرب.
تعتبر السخنة واحداً من أقوى تجمعات «داعش» في البادية

ومن شأن عمليات الربط أن تؤدي بطبيعة الحال وظائف ثنائيّة المنحى: دفاعيّة بالنسبة إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الدولة السوريّة عبر توسيع محيط الأمان، وهجوميّة بالنسبة إلى المناطق الخارجة عن السيطرة والتي يُنتظر أن تكون أهدافاً تالية لعمليات التقدم البري. استناداً إلى ما سبق، تصبح أهمية التقدم الذي حققه الجيش وحلفاؤه أمس على محور «أثريا ــ الرصافة ــ الرقة» مثلاً، أكبر من مجرّد تأمين طريق «أثريا ــ خناصر ــ السفيرة» (على أهميته بوصفه شريان حلب). ويبدو جليّاً أن تحقيق هذا الهدف يأتي بمثابة تحصيل حاصل، في الوقت الذي يمهّد التقدم لإحكام طوق حول الجيوب المتبقيّة للتنظيم في ريف حلب الجنوبي الشرقي أو إجباره على الانسحاب منها (الجيوب عبارة عن قرى ومزارع صغيرة ومتناثرة مثل الزكية، وهيبة كبيرة، وهيبة صغيرة، رسم الحميد، الثريا، اللواشي، مصنعة القصر... ويقتضي إحكام هذا الطوق بسط السيطرة على حوالى 35 كيلومتراً، هي في معظمها أراض مكشوفة). في الوقت نفسه تكتسب عمليّات الجيش المستمرّة في ريف سلمية الشرقي بعداً أكبر من تحصين مدينة سلميّة ومعالجة مشكلة الخاصرة الشرقيّة الرخوة التي شكّلت في خلال السنوات الماضية نقطة تهديد مستمرّة. وعلى نحو مماثل سيكون تحقيق هذا الهدف أمراً مفروغاً منه حالَ دخول منطقة عقيربات (ريف حماة الشرقي) على خط المناطق المحررّة. وتحظى عقيربات بأهميّة إضافيّة نظراً إلى كونها أكبر منطقة سيطرة للتنظيم في الجزء المتاخم من ريف حماة لأطراف سلسلة الجبال التدمريّة الشرقيّة (جنوب عقيربات، ويصل امتداد السلسلة إلى محمية البلعاس في ريف سلمية الشرقي). وبفعل التماس بين ريفي حمص وحماة، تكتسب مزامنة عمليات ريف حماة الشرقي مع عمليات محيط تدمر الشمالي أهميّة إضافيّة. وعلاوة على كون مغاور الجبال التدمرية مناطق تحصّنٍ لجأ إليها التنظيم منذ وصوله المنطقة، تحولت السلسلة أخيراً مقصداً لمعظم مقاتلي «داعش» المنسحبين أمام تقدم الجيش المستمر في محيط تدمر (ريف حمص الشرقي). ويبدو مرجّحاً أن خطط الجيش في ما يخصّ الجبال التدمرية تلحظُ في الوقت الراهن ضرورة تطويقها وعزلها عن أي تأثير محتمل قد يسعى التنظيم المتطرف إلى إحداثه في خارطة السيطرة، سواء في محاولة شنّ هجمات جديدة نحو تدمر، أو في محاولات شنّ هجمات انطلاقاً من الجبال تستهدف الخطوط الخلفية للقوات السورية التي يُنتظر أن تنطلق نحو السخنة. ويواصل الجيش عملياته في محيط تدمر الشمالي الشرقي، مولياً أهميّة خاصة للوصول إلى مدينة السخنة الاستراتيجيّة (70 كيلومتراً شمال شرق تدمر) التي تعتبر صلة وصل بين الحدود الإدارية لمحافظتي حمص ودير الزور. وتعتبر السخنة واحداً من أقوى تجمعات «داعش» العسكرية في البادية السورية.

وسيكون من شأن سيطرة الجيش عليها فتح الطريق أمام تهاوٍ قد يكون سريعاً ودراماتيكياً يقود القوات المتقدمة نحو قصر الحير الشرقي لعزل جبل بشري، ثم الانطلاق نحو كباجب والشولا (ريف دير الزور الجنوبي الغربي) في زمن قياسي. وكانت الأخيرتان قد شكلتا مفتاحاً لتمدّد التنظيم المتطرف من دير الزور نحو وسط البلاد إبّان صعوده على حساب «جبهة النصرة» قبل ثلاثة أعوام. وتشكل دير الزور في موازين الجيش السوري الهدف الاستراتيجي الأكبر الذي تسعى خطط ومسارات معارك البادية إلى تحقيقه في أسرع وقت ممكن. ويقود هذا التفصيل إلى ملاحظة أهميّة إضافيّة لعمليات الجيش في ريف الرقة الجنوبي، قوامُها السعي للانطلاق بمحاذاة الحدود الإدارية الجنوبية للرقة شرقاً نحو دير الزور أيضاً. ومن الملاحظات الجديرة بالانتباه في دخول الجيش وحلفائه الريف الرقّي سعي القوات المتقدمة إلى تثبيت نقاط سيطرة تحقق أكبر تماس ممكن مع «قوات سوريا الديمقراطيّة»، على نحو يذكّر بالعمليات العسكرية التي شنّها الجيش ضد التنظيم جنوب منبج (ريف حلب الشمالي الشرقي). ولا يمكن فصلُ كل هذه المسارات عن العمليات العسكرية المستمرة على الشريط الحدودي بين سوريا والعراق، ومن الجانبين. ورغم المسافة الشاسعة التي تفصل بين كل تلك الجبهات، غير أنّ الترابط الاستراتيجي يبدو وشيجاً بينها. ومن نافلة القول إنّ معركة تحرير محافظة دير الزور باتت في نظر معظم أطراف الحرب السوريّة بمثابة «المعركة الأخيرة لداعش». وهو أمرٌ بدأت الصحف الغربيّة في الإشارة إليه أخيراً بالتزامن مع انسحابات «داعش» المتتالية من الرقة أمام «قسد»، وتجدر الإشارة على وجه الخصوص إلى «نيويورك تايمز» الأميركية التي عنونت قبل يومين «بعد الرقة، معركة أكبر تلوح في الأفق لهزيمة داعش والسيطرة على سوريا».
_________

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | sohaibenjrainy@
 

   
http://www.al-akhbar.com/
  
 

12 يونيو 2017

«داعش»... غدر الذاكرة فشل التجربة وعقم الأيديولوجيا

    6/12/2017 07:35:00 ص   No comments
فؤاد إبراهيم

لم يقدَّر لأحد من الأحياء أن يعيش تجربة التأسيس الأولى للدولة السعودية الوهابية. ولم يقرأ أكثر سكان العالم عنها، ولكن بالتأكيد هناك كثيرون في أرجاء العالم شاهدوا اقترافات مقاتلي «داعش» في سوريا والعراق ومصر وليبيا والجزيرة العربية وعدد من العواصم الأوروبية. الإعدامات الجماعية، ونحر الرقاب، وقطع الرؤوس، وحرق الأجساد، وجلد الظهور، وقطع الأطراف، وسرقة الممتلكات كغنائم، وفرض الإتاوات، وهدم الأضرحة والقبور والدور، وتحطيم التماثيل والرموز... هذه كلها مشاهد في تجربة التنظيم غير الحكومي الأشد خطورة على السلام العالمي.

31 مايو 2017

ما هي أسباب الغضب السعودي على قطر؟

    5/31/2017 08:41:00 ص   No comments
قاسم عزالدين
 
الصراع السعودي ــ الإماراتي مع قطر، ينفجر على إثر المراهنة السعودية على دونالد ترامب بكل ممتلكاتها وديونها اللاحقة للانتقام من إيران والمقاومة. لكن قطر تحاول مع تركيا وبعض اللوبيات الأميركية ضمانة رأسها ببعض المرونة. وبينما يتنبأ كثيرون في قراءة خيارات قطر للخروج من الأزمة، قد لا يكون بمتناول السعودية غير الانتقال من أزمة إلى أخرى.
تتعاقد قطر مع أربع شركات أميركية تتكفل بإدارة حملتها الاعلامية
تتعاقد قطر مع أربع شركات أميركية تتكفل بإدارة حملتها الاعلامية
في البدء سرت قناعة راسخة بين معظم دول الخليج وخبراء عرب في الغرب، أن 99% من أوراق اللعبة في الشرق الأوسط هي في يد أميركا على ما أفصح الرئيس أنور السادات عشية دخوله في "سلام الشجعان". وبينما تطمئن السعودية إلى ما تسميه "الشراكة الاستراتيجية" في الحماية الأميركية القديمة مقابل النفط، راحت قطر والإمارات تُنسج "شراكاتها" الخاصة عبر لوبيات قوى الضغط الغربية والأميركية المؤثرة في القرار والأحداث السياسية، مقابل الدعم المالي.

تتعاقد قطر مع أربع شركات أميركية تتكفل بإدارة حملتها الاعلامية وتنظيم ورش العمل والدراسات والاتصالات وغيرها وهي بمجملها تضم متقاعدين من الجيش والإدارة السياسية و المحامين والمستثمرين .... لهم صلات وثيقة بصناعة القرار أو التأثير به بحسب التركيبة الاميركية القائمة على ضغط اللوبيات والمصالح المتبادلة أو المتعارضة فيما بينها.

بحسب الأرقام التي تثيرها شركات ضغط إماراتية، تتجاوز نفقات العلاقات العامة القطرية 3 مليارات دولار سنوياً، تستفيد منها شركة "بورتلاند" للعلاقات العامة ومجموعة "جالاجر". وكذلك شركة "سكوين باتون بوجز" بعقد قيمته 332 ألف دولار سنوياً، بحسب تصريح وزارة الخزانة الأميركية. وأيضاً شركة "ليفبيك" للاتصالات الاستراتيجية بعقد سنوي قيمته 188 ألف دولار، وشركة "ميركيوري" للشؤون العامة بعقد يبلغ 155 ألف دولار في السنة.

تستثمر قطر في الولايات المتحدة حوالي 46 مليار دولار منها استثمار في مشروع "مانهاتن غرب" بحوالي 8,6 مليار دولار. وفق موقع "ميمري" اليميني الذي تدعمه الإمارات بين مروحة واسعة من وسائل الإعلام والاتصالات الداعمة لترامب. لكنها تستثمر أيضاً في شركات إعلامية  بينها مشاركة في ملكية صحيفة "هافتنغون بوست" التي نشرت تقرير اللوبي الإماراتي ودور السفير يوسف العتيبي في واشنطن. وتدعم كذلك مؤسسات دراسات وأبحاث أميركية مثل "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية" التي تنظم ندوات وورش عمل يشارك فيها مؤثرون مثل روبير غايتس وجوناثان شانزر وكثيرون.

مقابل هذه الانجازات القطرية في أميركا التي حملت حملة إيران وسوريا والمقاومة طيلة السنوات الماضية، ذهبت الامارات في الاتجاه نفسه مع شركات إعلامية ومراكز أبحاث ولوبيات محامين ومستثمرين، بحسب تقرير "هافتنغتون بوست". فالتقرير يؤكد الدعم الاماراتي لمراكز أميركية عديدة منها مركز التقدم الأميركي ومركز الدراسات الدولية والاستراتيجية. وكذلك بعض الصحف الكبرى مثل وول ستريت جورنال وفورين بوليسي وغيرها. كما يؤكد أيضاَ الدعم الاماراتي لما يُعرف  بقوى "ثينك تانكس" التي يدير إحداها المبعوث الاميركي الاسبق إلى الشرق الأوسط "دونيس روس". وهي التي وصلت إلى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الذ عيّنه ترامب "مايك بومبيو" الذي دعم قانون حظر الأخوان المسلمين في الكونغرس الأميركي. فضلا عن نشاطات " رمز السخاء على السياسيين" يوسف العتيبة في أوتيل "فيرمونت" بحسب تعبير التقرير.

لم ينفجر الصراع القطري ــ الاماراتي على الرغم من تصادم المصالح والنفوذ في ليبيا وفي اليمن وفي سوريا أيضاً إلى حد ما. فالسعودية لعبت دور ضابط الايقاع تحت سقف الأولوية المشتركة في مواجهة إيران و"الأذرع الإيرانية في الدول العربية". وقد ضبطت السعودية الخلاف الاماراتي ــ القطري حين كاد ينفجر بين الطرفين إثر تمدد تركيا في قطر منذ العام 2014، ثم إنشاء "مجلس التعاون الاستراتيجي التركي ــ القطري". لكن المراهنة السعودية على ترامب في الذهاب إلى أولوية مواجهة إيران و"أذرعها"، غيّر المعطيات السعودية القابلة لغض الطرف عن بعض التناقضات في حديقتها الخلفية. فهي ترمي بجل الثروات المنظورة والمستقبلية في جيب ترامب بما يتجاوز مبلغ 380 مليار دورلار الذي جرى الإعلان عنه، تعويلاً على رهان مغامرة قسوى أقرب إلى المقامرة. وفي هذا الأمر تصطدم بعمق مع قطر التي دعمت حملة هيلاري كلينتون ولا تزال تعتقد أن الرئيس الأميركي سينتهي به المطاف خارج الحكم في السنة المقبلة، على غرار فضيحة "ووترغيت".

بالمقارنة مع أزمة السعودية في مراهنتها بكل الممتلكات والديون المقبلة على ترامب، تبدو أزمة قطر في انفجار الصراع مع الامارات والرياض أقل من مأزق عنق الزجاجة. فهي يمكنها أن تسلك خط المرونة مع إيران وفق المسلك التركي وعلى إيقاعه الذي لا يذهب بعيداً ربما "في تعزيز العلاقات التاريخية العريقة" كما وعد الأمير القطري في مكالمته مع الرئيس حسن روحاني. وهي إذ تعتمد على التدخل العسكري التركي مقابل محاولة التدخل العسكري السعودي ــ الاماراتي إذا وصلت التداعيات إلى الانتقام. كما تعتمد قطر على ضعف ترامب في موازين القوى الأميركية للجمه عن التفكير بنقل قاعدة العديد الاميركية. وإذا احتاج الأمر يمكن استرضاء ترامب ب35 مليار دولار عرضها الأمير القطري على ترامب بحسب موقع "ميمري". فالسؤال الذي يطرح على قطر ماذا عساها فاعلة تجاه التوتر مع السعودية، ربما يكون معكوساً وهل تركت السعودية في يدها ورقة لم تحرقها؟

18 مايو 2017

العقيدة القتالية العسكرية السعودية: حماية العائلة الحاكمة اولا... ثم الوطن

    5/18/2017 06:50:00 ص   No comments
واشنطن: القوات السعودية ضعيفة ومفككة
علي مراد

منذ 1945 تشرف بعثة عسكرية أميركية على تدريب جنود سعوديين وتقدم خدمات استشارية

برز سعي سعودي واضح، خلال العقد الأخير، للانتقال من موقع الدولة التي تخوض حروباً بالوكالة، إلى أخرى «غير معهودة» تسعى إلى تحقيق أهدافها بالانخراط في حروب مباشرة. المفارقة أن محمد بن سلمان يخرج ليهدد بنقل المعركة إلى قلب إيران بعد أكثر من عامين على «عدوان فاشل» مستمر يشنّه على اليمن. يستدعي كل ذلك إضاءة على عقيدة القوات المسلحة السعودية وواقعها، على الأقل، وفق ما ينشره الأميركيون في دراساتهم وتقاريرهم بعد تجربة تدريبهم العسكري للسعوديين منذ عام 1953

3 مايو 2017

عقيدة التكفير ترتد على معتنقيها ومسايريها: يمهل ولا يهمل

    5/03/2017 07:01:00 ص   No comments
«حرب الوجود» في الغوطة: النار تلتهم «الإخوة الأعداء»

 صهيب عنجريني

الاقتتال الذي تشهده الغوطة الشرقيّة بين «جيش الإسلام» من جهة، وكل من «فيلق الرّحمن» و«جبهة النصرة/ فتح الشّام» ليس عابراً ولا يمكنه أن يكون. وليست معارك الأيّام الأخيرة بين الفريقين سوى جولات جديدة في سياق «معركة هيمنة ووجود» تعود جذورها إلى سنواتٍ خلت، وتُغذّيها خلافات «منهجيّة عقائديّة» تستندُ بدورها إلى ارتباطات إقليميّة.

يُعدّ «جيش الإسلام» ممثلاً لـ«وهابية سوريّة» تعزّز حضورها في خلال السنوات الأخيرة بفضل الحرب، فيما يرتبط «فيلق الرحمن» بشكل غير معلنٍ رسميّاً بجماعة «الإخوان المسلمين». أمّا «النصرة»، فـ«الفرع السوري لتنظيم القاعدة» من دون أن يغيّر «فك الارتباط» من حقيقة الأمر شيئاً. بطبيعة الحال يرتبط «جيش الإسلام» ارتباطاً وثيقاً بالسعوديّة بفضل المقوّمات «العقائدية» المذكورة، علاوةً على التمويل المفتوح الذي توفّره له المملكة. أمّا «فيلق الرحمن» فبتركيا ارتباطه الوثيق، وإلى «الهوى الإخواني» الذي وفّر له بيئة حاضنة في غير منطقة من الغوطة يعود الفضل في تحقيقه حضوراً «عسكريّاً» حاول أن ينازع «جيش الإسلام» هيمنته عليها. وبدورها تحافظ قطر على تأثير ونفوذ كبيرين داخل «النصرة»، ولا سيّما في صفوف منتسبيها الجدد الذين انضمّوا إليها في خلال الحرب السوريّة، متموّلين برواتب وأسلحة يوفّرها «الراعي القطري». وكما ترك صراع النفوذ التقليدي بين «مثلث الدعم الإقليمي» أثره في معظم تفاصيل الحرب السوريّة (وخاصّة فصول الحرب والاحتراب المتتالية بين المجموعات المسلّحة) تبدو بصماته حاضرة ومؤثّرة في مُجريات الغوطة الأخيرة. ولعلّ أوضح انعكاسات هذه البصمات تلك التي يُعبّر عنها اصطفاف «فيلق الرّحمن» و«جبهة النصرة» جنباً إلى جنب (أنقرة والدوحة) في مواجهة «جيش الإسلام» (الرّياض). ثمّة في العمق عوامل أخرى شديدة التّأثير، من بينها الاصطفافات «المناطقيّة» داخل الغوطة (وهي اصطفافات قامت في الدرجة الأولى على الانتماء الأيديولوجي)، علاوةً على سباق الهيمنة الداخلي. ومنذ بواكير الظهور المسلّح بصورته «الفصائليّة» العلنيّة نظر «جيش الإسلام» ومؤسّسه زهران علّوش إلى كل مجموعة تُشكَّل خارج عباءته على أنّها تهديد لسطوته ونفوذه، وحجر عثرة في طريق هيمنته على الغوطة الشرقيّة.

ولا تجافي هذه النظرة الواقع في شيء، نظراً إلى أنّ عدداً من المجموعات المسلّحة التي شُكّلت في الغوطة قد اتّخذ من «مجابهة علوش» عموداً أساسيّاً من أعمدة إنشائه. تأسيساً على ما سبق، يمكن القول إنّ أوّل «احتراب» داخلي شهدته الغوطة (قبل ما يزيد على أربعة أعوام) كان فاتحةً لمسيرة بلا أفق واضح. وبغض النظر عن فصول «الحرب والسلم» التي تمرّ بها العلاقة بين المجموعات المتناحرة تبعاً لجملة ظروف محلية وإقليمية، فقد أثبتت التجارب المماثلة السابقة أن النسبة العظمى من «حروب الإخوة الأعداء» لم تعرف نهايةً حقيقيّة إلا بنجاح طرفٍ في إلغاء وجود الطرف الآخر، أو تصفية وجوده في منطقة بعينها على أقل تقدير.
وبات معروفاً أن معارك اليوم بين «جيش الإسلام» و«فيلق الرحمن» ليست سوى فصل جديد من فصول العداء المستحكم بين الطرفين. ويبدو لافتاً أنّ آخر حلقات هذه السلسلة (قبل المعارك الحاليّة) كانت قد شهدت اصطفافاً مماثلاً لاصطفاف اليوم (راجع «الأخبار»، العدد 2875) . لكن تصفية وجود «النصرة» في الغوطة الشرقيّة كانت هدفاً سريّاً على قوائم «جيش الإسلام» حينها، بينما باتت اليوم مطلباً واضحاً أُعلن في «بيان رسمي». البيان الذي صدر أمس جاء في صورة «رسالة» من «القيادة العامة لجيش الإسلام» إلى «فيلق الرحمن»، وقالت إنّ «جيش الإسلام قد عقد العزم على حل جبهة النصرة في الغوطة الشرقية وتقديم متزعميه إلى القضاء». واتهمت الرسالة «الفيلق» بتقديم «المؤازرة إلى النصرة» وحوت تهديدات مبطّنة في حال عدم وقوفه «على الحياد». فيما أكّد «بيان مضاد» أن «جيش الإسلام اتخذ من القضاء على هيئة تحرير الشام (تحالف عموده الأساس «النصرة») ذريعة للهجوم على مقار ومستودعات (فيلق الرحمن) والاعتداء على عناصره». وواصل «جيش الإسلام» اتهاماته لـ«الفيلق» بـ«إيواء عناصر من (النصرة) ومن بينهم قادة أردنيون»، علاوة على «تسليح بعضهم وتجنيدهم للقتال في صفوف الفيلق ضد الجيش، وخاصة في بلدة المحمديّة». وقال مصدر من «فيلق الرحمن» لـ«الأخبار» إنّ «هذه الاتهامات كاذبة جملة وتفصيلاً، وهي مجرّد محاولات واهية للتعمية على الهدف الأساسي من عدوانهم الآثم». وأكّد المصدر أنّ الهدف المذكور ليس سوى «التخفيف عن ميليشيات النظام، في مواصلة لمهمات عمالة قيادات «جيش الإسلام» التي لم تعد تخفى على أحد». في المقابل، طغت على كلام مصادر «جيش الإسلام» نبرة «قويّة» بدت واثقة من أنّ تصفية وجود «أذناب القاعدة» (المقصود «النصرة») في الغوطة باتت «مسألة وقت»، مع التلويح بمصير مماثل لـ«فيلق الرحمن» إن لم «يلتزم الحياد».
وفي تكرار للسيناريوات المعهودة في حالات مماثلة، برزت أمس محاولات للتوسط بين الأطراف قام بها هذه المرة «مجلس شورى أهل العلم». وقال «المجلس» في بيان له إنه شكّل لجنة استمعت إلى طرفي النزاع وخرجت بجملة توصيات منها «وقف كافة مظاهر الاقتتال وإطلاق سراح المعتقلين والخضوع لحكم الشرع»، و«رد الحقوق المالية والعينية لفيلق الرحمن من جيش الإسلام». علاوة على «تشكيل لجنة لتقدير الأضرار بين الطرفين» تضم ممثلاً عن كلّ منهما، وثالثاً عن «شورى أهل العلم». وبدا لافتاً أنّ البيان المذكور لم يشر إلى «النصرة» على الإطلاق، فيما خصّص بنداً لتأكيد «حرمة مسألة تغلّب فصيل على آخر».
و«التغلّب» في جوهره هو «فتوى» تتيح للمجموعة الأقوى فرض سيطرتها وإخضاع سواها بالقوّة، ويُتَّهَم «جيش الإسلام» بأنّه يسعى إلى تطبيقها في الغوطة. وتعليقاً على البيان، قال مصدر من «جيش الإسلام» لـ«الأخبار» إنّ «استجابتنا لأي مبادرة شرعية لحقن الدماء بين الإخوة أمر مسلّم به، لكنّ أذناب القاعدة خارج هذه المعادلة حتماً». المصدر أعرب عن «عدم ارتياحه الشخصي لبعض ما ورد في البيان»، ولمّح إلى ارتباط بعض «مشايخ المجلس» بـ«حركة أحرار الشام» التي «يتحكم ببعض مشايخها هوى قاعدي»، لكنه أكد في الوقت نفسه أنّ «هذا ليس موقفاً رسميّاً، والموقف الرسمي سيصدر عن القيادة بالطرق التي تراها مناسبة». ميدانيّاً، استمرّ الاستنفار في صفوف الأطراف بعد صدور «بيان أهل العلم» بساعتين ولم ينعكس أي أثر له. فيما بدا لافتاً بدء حملة هجوم إعلامية قوية ضد «جيش الإسلام» على خلفيّة قيام عناصره بتفريق مظاهرة خرجت ضدّه في عربين بالرصاص الحيّ، ما أدى إلى «سقوط جرحى».
______________
«جيش الإسلام» يحارب «القاعدة»: حرب «الفصائل» و«النصرة» انطلاقاً من الغوطة؟

 صهيب عنجريني

الجمعة ٢٩ نيسان ٢٠١٦


معارك حامية الوطيس تشهدها مناطقُ عدّة في غوطة دمشق الشرقية بين «جيش الإسلام» من جهة، و«جبهة النصرة» و«فيلق الرحمن» من جهة ثانية. ورغم أنّ حدوث اشتباكات بين المجموعات في الغوطة بات أمراً معهوداً بين فترة وأخرى، غيرَ أنّ المشهد يبدو مختلفاً هذه المرة، سواء من حيث طبيعة المعارك وشدّتها أو من حيث عدد المجموعات المنخرطة في الحدث واتّساع رقعة الاشتباكات.

للوهلة الأولى، توحي المُجريات بأنّ ما تشهدُه الغوطة أشبه بـ«ثورة فصائل» ضدّ «جيش الإسلام»، لكن المعلومات المتوافرة تؤكّد أنّ الأمور ذاهبة في اتجاه فتح حرب تصفية ضد «جبهة النصرة» في الغوطة. المتحدث الرسمي باسم «جيش الإسلام» إسلام علّوش سارع إلى إصدار بيان يتهم فيه «النصرة» ومجموعات أخرى بمهاجمة مقار «جيش الإسلام» في كلّ من: زملكا، جسرين، حمورية، عين ترما، مسرابا وكفربطنا. وبدا لافتاً أنّ البيان حرص على الزج باسم «حركة أحرار الشام»، علاوة على «لواء فجر الأمة» بوصفهما مُساهمَين في الاعتداءات، كما حرص على الإشارة إلى ارتباط «النصرة» بتنظيم «القاعدة». مصدر مرتبط بـ«حركة أحرار الشام» أكّد لـ«الأخبار» أنّ «عناصر الحركة لم يتدخلوا في الاشتباكات»، موضحاً أنّ «عدداً من قادة الحركة باشروا اتصالات مكثفة سعياً إلى احتواء الوضع ومنع تفاقمه»، وهو كلامٌ أيّده ناشطان إعلاميّان من داخل الغوطة (كلّ على حِدة) لـ«الأخبار». وفيما تعذّر التواصل مع أحد الناطقين الرّسميين باسم «جيش الإسلام» (إسلام علّوش، وحمزة بيرقدار) أكّد مصدر ميداني داخله لـ«الأخبار» أنّ «الأحرار (أحرار الشام) لم ينخرطوا بشكل مباشر في الاعتداءات، لكننّا نعتبرهم مشاركين في الاعتداء ما لم يصدروا توضيحاً رسميّاً يتبرّأ ممّا حصل». المصدر ردّ هذا الموقف إلى أنّ «اعتداءات النصرة علينا تمّت تحت راية جيش الفسطاط الذي يضمّ أيضاً الأحرار وفجر الأمّة والفيلق (فيلق الشام)». وعبرَ صفحتيهما على موقع «تويتر» حرص الناطقان (علّوش وبيرقدار) على الإشارة إلى ارتباط «النصرة» بـ«الفسطاط» كما اتّهما «المعتدين» بـ«منع وصول مؤازرات أرسلها جيش الإسلام إلى جبهتي المرج وبالا».

وتحمل هذه التصريحات اتهاماً مبطّناً بإضعاف موقف «جيش الإسلام» على هاتين الجبهتين في مواجهة الجيش السوري. ولم تبق التهمة مبطّنة، إذ سارعت عشرات المصادر إلى تبنّيها علناً عبر صفحات إعلامية عدّة. وخلال الساعات الأخيرة، بدا أنّ مناطق الغوطة تشهد سباقاً في «الحشد والتجييش»، حيث أوردت مصادر من السكّان معلومات متقاطعة عن استعدادات ضخمة في صفوف كل الأطراف المتقاتلة. ولم ترشح معلوماتٌ دقيقة عن عدد القتلى الذين قضوا في معارك أمس، فيما بات مؤكّداً أنّ ثلاث نقاط اشتباك (على الأقل) شهدت استخدام أسلحة ثقيلة من الطرفين. كما أدّت التطورات إلى حدوث انشقاقات داخل «فيلق الرّحمن» لمصلحة «جيش الإسلام»، كان أبرزها إعلان «كتيبة الدفاع الجوي في فيلق الرحمن» انضمامها إلى «جيش الإسلام، ومبايعة الشيخ عصام البويضاني على السمع والطاعة». في الوقت ذاته، باشر عدد من «رجال الدين المحايدين» حملة اتصالات في مسعى لـ«الحيلولة دون اشتعال الغوطة»، حسب تعبير أحد «وجهاء» بلدة جسرين لـ«الأخبار». المصدر امتنع عن الكشف عن النتائج الأوليّة للمساعي، وعزا الأمر إلى ضرورة «التريّث قبل الخوض في أحاديث من هذا النوع منعاً لإفشال المساعي». وأضاف «هذه فتنة كبرى، وإذا لم يتمّ احتواؤها سريعاً فالنتائج لا تُحمد عقباها».
ولا يبدو «جيش الإسلام» وحيداً في مواجهة «اعتداءات النصرة»، إذ أصدرت «قيادة الشرطة في الغوطة الشرقية» بياناً أكّدت فيه أنّ «عناصر جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة اعتدوا على دورية لقيادة الشرطة في بلدة مسرابا». وفي تطوّر يبدو مؤشّراً على تصعيد وشيك للأحداث دخل «المجلس العسكري لدمشق وريفها» على خط الأحداث عبر بيانٍ اتّهم فيه «جبهة النصرة» و«فيلق الرحمن» بالاعتداء على مقارّ تابعة له. وقال البيان الذي تداولته بعض الصفحات المعارضة وحمل توقيع «أمين سر المجلس» إنّ قوة تابعة للطرفين «اقتحمت مركز قائد المجلس العسكري (عمّار النمر) من دون مراعاة أي حرمة». ومن المعروف أنّ النمر «قائد المجلس العسكري» يحتفظ بعلاقات جيّدة مع «جيش الإسلام»، فالمجلس المذكور أعلنت ولادتُه قبل عام تحت إشراف «القيادة الموحدة للغوطة الشرقيّة» التي تزعّمها مؤسّس «جيش الإسلام» المقتول زهران علّوش (راجع «الأخبار»، العدد 2570). وعلى نحو مماثلٍ لبيان «جيش الإسلام»، حرص بيان «المجلس» على اتهام مبطّن لـ«المعتدين» بالتواطؤ مع الجيش السوري عبر «تزامن هذا الاعتداء الغاشم مع حشود لميليشيات الأسد على أطراف الغوطة».

_____________
رجل السعوديّة يظهر في تركيا... «طبخة إقليمية عسكريّة» قيدَ الإعداد؟

صهيب عنجريني

الاثنين ٢٠ نيسان ٢٠١٥


من جديد نجح زهران علّوش في التحوّل إلى نجم المشهد. قائد «جيش الإسلام» الذي أثار الجدل منذ بروزه على مسرح الحدث في مدينة دوما في غوطة دمشق الشرقية، وتحوّله من شخص «يتحاشاه الجميع» (وفقاً لأحد جيرانه في السنوات التي سبقت اعتقاله، أي قبل 2009) إلى «قائد القيادة الموحّدة للغوطة الشرقيّة». قصص عدة حُكيت عن علوش، وأسباب إطلاق سراحه من سجن صيدنايا العسكري (مثله مثل عدد من متزعّمي المجموعات الجهاديّة).

قيل الكثير عن «ارتباطه بالمخابرات السوريّة»، وهو أمر عاد إلى التداول خلال اليومين الماضيين، بعد الكشف عن وجوده في تركيا، حيث انشغل الجميع بالبحث عن الطريقة التي خرج بها من الغوطة المُحاصرة والطريق الذي سلكه، «فهل مرّ عبر مناطق سيطرة الدولة السوريّة، أم عبر مناطق سيطرة تنظيم داعش؟». ومن منهُما سهّل خروجه؟
لكنّ حصر وسائل الخروج من الغوطة بالطريقتين المذكورتين هو أمر يخالفُ الواقع، فليسَ من المستبعد (بل هو مرجّح) وجود طرق سرّية تُستخدم عند الضرورة، وهو أمرٌ لمّح إليه شخص مرتبط بـ«حركة أحرار الشام الإسلاميّة»، من دون أن يخوض في تفاصيله، إذ قال عمار كريّم عبر صفحته في «تويتر»: «لولا أنك أخي في الإسلام لكشفت طريقك الذي خرجت منه (...) زهران علوش في تركيا... خرج من الغوطة قبل أيام». وفي هذا السياق، قال ناشط مُعارض لـ«الأخبار» إن «الوسائل موجودة دائمة، لكنها تنطوي على مخاطرة طبعاً»، مضيفاًَ: «سبق لي أن خرجت من الغوطة، ودخلتُها منذ حوالى شهرين ونصف الشهر». ومن المرجّح أن الأراضي الأردنية كانت محطة عبرها زهران، ليغادرها جوّاً إلى تركيا. ومن الملاحظات الجديرة بالتوقف عندها في هذا السياق، أنّ الحفاظ على سرّية تحركات علّوش يؤشّر على مستوى «أمني» متقدّم يقودها، ودائرة محيطة موثوقة، خاصة أن هذه الرحلة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق له أن زار السعودية عام 2013، وزار الأردن مرتين على الأقل بين عامي 2013 و2014، كما يُرجّح قيامه بزيارات سابقة لتركيا. ورغم اختلاف الظروف الميدانية بين الزيارات السابقة والحاليّة، غير أنّ جميعها لم يُكشف عنها إلّا بعد حدوثها.
على أنّ السؤال الأهم من طريقة خروج علّوش هو السؤال عن أسباب خروجه، وظهوره الاستعراضي في تركيّا في هذا التوقيت بالذات، وهو المحسوب في الدرجة الأولى على السعوديّة. ورغم أن بعض المصادر ذهبت إلى ترويج أن «علوش خرج بشكل نهائي من سوريا»، غير أن هذه الفرضيّة أضعفُ من أن تؤخذ في عين الاعتبار. فمن المُسلّم به أن طريقة عمل «جيش الإسلام» تجعلُ من غياب قائده مقدمةً لتفكّكه. ومن المعروف أن «جيش الإسلام» استمرّ على مدار السنوات الماضية في تعزيز قدراته، من دون أن يخوض معارك تستنزفه بشكل كبير. ودأبت مصادر «الإسلام» بين وقت وآخر على تأكيد أنّ «معركة دمشق الكبرى هي الغاية، ومن أجلها يتم الحشد». هذه المعطيات تجعل من المسلّم به أن «طبخةً» ما تُعدّ في المطابخ الإقليمية، وأن علّوش أحد مكوّناتها، خاصة أن تقارير عدّة تحدثت عن مرحلة تنسيق جديدة بين اللاعبين السعودي والتركي، تجعل من الرياض المهندس الأول لمشهد المعارضة المسلّحة في سوريا، ومن أنقرة لاعباً مُساعداً. وهو ما أفضَى على الأرجح إلى تفكك «الجبهة الشاميّة» في الشمال السوري أخيراً، مطيحاً «جماعة الإخوان المسلمين» من قمّة الهرم في الشمال من دون محاولة إقصائهم كليّاً، ما يوحي بأن طبيعة وجودهم في المرحلة القادمة ستكون خاضعة لجملة معايير توافقُ «المرحلة السعودية». وثمّة مُعطيات ترتبط بالمشهد في الغوطة ينبغي أخذها في الاعتبار، يبدو أنّها جاءت كتمهيدٍ لما يُعدّ في «المطبخ الإقليمي»، وعلى رأسها يأتي الإعلان عن ولادة جديدة لـ«المجلس العسكري في دمشق وريفها» أواخر الشهر الماضي. ولادة تمّت تحت إشراف «القيادة الموحدة للغوطة الشرقيّة» التي يتزعّمها علّوش. وكان الأخير قد تصدّر مشهد الإعلان عن «المجلس»، وقال في كلمة له إنّه «منظومة واحدة تعمل مع القيادة العسكرية الموحدة وضمن التوجيهات التي تصدر من القيادة العسكرية الموحدة»، كما أكّد أنه يُمهد لـ«بناء مرحلة جديدة من مراحل العمل الثوري وفي ظروف بدأت فيها عجلة العمل الثوري تندفع نحو الأمام»، وينسجم مع طبيعة مرحلة «الانتقال من حرب العصابات إلى الحرب النظامية». ومن المؤشرات التي قد تشي بملامح المرحلة القادمة، أنّ «رئيس المجلس» عمّار النمر أعلن في مؤتمر صحافي أول من أمس «تأييد المجلس لعملية عاصفة الحزم التي تقودها السعودية ضد الحوثيين في اليمن»، وتمنّى على القائمين عليها أن «تتمدد إلى سوريا».
وفي السياق التمهيدي ذاته يُمكن إدراج المعارك الأخيرة التي خاضَها علّوش ضدّ تنظيم «الدولة الإسلاميّة». وهي معارك تضمن إعادة التذكير بما روّج له طويلاً من أن «جيش الإسلام حجر زاوية في محاربة تطرف داعش»، وتصلحُ بالتالي لتلميع قائده للعب دورٍ يحظى بدعمٍ يتجاوز الإقليمي إلى الدولي. وتنسجم هذه المعطيات مع ما أكده مصدر محسوب على «أجناد الشام» من أنّ «علوش ليس القيادي الوحيد الموجود في تركيا حاليّاً». المصدر أكّد لـ«الأخبار» أنّ «معظم القادة المعروفين وصلوا أو على وشك الوصول، تمهيداً لسلسلة اجتماعات سيشارك فيها سليم إدريس وعسكريّون آخرون».

ابحث عن مقالات مثل التي قرأت

Advertise Here

المقالات الأكثر قراءة

_____________________________________________________
حقوق التأليف والنشر © مراجعات. جميع الحقوق محفوظة.